هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

يَهتَزُّ شِلْحُه ولا يَنقَصِف
“أَزرار” – الحلقة 1183 – “النهار” – السبت 26 حزيران 2021

          يطالعني أَصدقاء باستغرابهم إِصراري على البحث في لبنان الوطن، لبنان الحضارة والتاريخ والتراث، فيما البلَد ينهار، يتفتَّت، يتحلَّل مؤَسسةً بعد قطاعٍ بعد حالةٍ معيشية.

          تبقى قناعتي راسخة كإِيماني: أَنا أَكتُب لِما بَعد الراهن من الحالة، لِما سيبقى بعدها، وليبقَ سواي في دائرة ما يجري، مُغْرقين في التشاؤُم، واقعين في الإِحباط، متوقِّفين عن الكتابة أَو ناعين بُوميًّا أَن “لبنان انتهى”، “لبنان مات”، “لبنان لم يعُد صالحًا للحياة”.

          أَفهم هذا المنطق الفاجع وأَفهم أَصحابه، لكنني لن أَنزلق إِليه ولن أَفقد شغَفي بلبنان الوطن أَنتمي إِلى هويَّته الوحيدة في قلبي وعلى هُدب قلمي: لبنان اللبناني الخالد.

          أَفهمُهم ولا أُوافقهم. إِنهم يتعاطَون مع اللبنان الآخر: لبنان المتغيِّر المتقلِّب بسبب دولة نَخَرها الفساد فانهارت، واغتالَها ذوو السُلطة الفاجرة ولم ينهاروا بعد.

          أُكرر ما لم أَنفكَّ أُردِّده: هذه الدولة لا تعنيني. وانهيارها لن يَفْجع ثقتي بأَنها قابلة لإِعادة البنيان مع شرفاء. وهذه السُلطة لا تَهمُّني وحين تموت لن أَدعو إِلى دفنها بل إِلى تَركها جثة في الشمس تَنهشها الغربان الكاسرة.

          مَن ينعَون لبنان اليوم إِنما يندبون دولته الفاشلة ويلعنون سلطته الفاجرة، وكلتاهما عابرة مهما طال تَرازُحُها الشرس. أَما وطني فلبنان الخالد، لا يُبدِّله زمن صعب ولا يغيِّر في هويته سلوكُ سياسي خائن. وطني هو تاريخُه الأَبقى من الآنيات، الأَرقى من الماجَرَيات، الأَنقى من صورة الحاضر.

          أَأَنا منفصم عن واقعي؟ لا. أَبدًا. أَنا أَيضًا أَقف في صف طويل أَستجدي قصعة بنزين، وأَنا أَيضًا أَركض لاهثًا كي أَجد دواءً ضروريًّا لصحتي اليومية، وأَنا أَيضًا أَكتوي بنيران غلاء متوحش ينقَضُّ عليَّ يوميًّا بفحشٍ أَپُّوكاليپتيٍّ يُزَأْبقُهُ دولار يتضخَّم حيال ليرة تتقزَّم. لكنني لا أَكفر بلبنان الوطن الذي أَراه عائدًا إِلى وجهه الخالد بعدما ينتهي تحطيمُ دولتِه المجرمُ اللعين، وتندثرُ سُلطته التي جَعلَتْهُ من أَشد دوَل الكوكب فقرًا وحزنًا وخوفًا وموتًا يوميًّا.

          أَنا أَستقيل منها هذه الدولة الـمُفْرَغة من مسؤُولين جديرين، وأَتبرَّأُ من سُلطة أَربأُ وأَخجلُ وأَرفض أَن أَتعرّف إِلى جلَّاديها الهولاكيين النيرونيين اليوضاسيين. لكنني لا أَستقيل من الوطن الذي، بعد انقضاء العاصفة وانحسار الطوفان وانطفاء البركان، أَراه باقيًا على أَلَقه الحضاري، بإِرثه يتمثَّل العارفون، بمعالمه يتشبَّهون، من أَعلامه يتعلَّمون، وفي تاريخه العظيم يَشتُلون نماذجهم.

          التاريخ لا يسجِّل يوميات الفشل السياسي ولا يحفظ عُقْم سياسيين حقيرين. إِذا سجَّل فَلِيَزدري وإِذا حفِظَ فَلِيَلْعَن. وأَنا أَنتمي إِلى تاريخ بلادٍ شهِدَ فتراتٍ قاسية، صعبة، مريرة، مجرمة، لكنَّ بلادي كانت تخرُج من وُحُول اليوميات إِلى بهاء سُطوعٍ خالدٍ اسمه لبنان.

          نعم: أَنا متفائل بلبنان الوطن ولا أَكفر به. ولن تَجرَّني إِلى التشاؤُم زمرةُ حكَّام سيَلعنهم تاريخ الوطن، وسَيَسقطون من ذاكرته كما تسقط في الريح أَوراقُ الشجر اليابسةُ العقيمة.

          نعم: أَنا أَنتمي إِلى وطن يَحضُنني بعبقريَّته الخالدة. وأَراها ساطعةً هذه العبقريةَ العابرةَ العصور، الساكنةَ هانئةً عند جذع أَرزة، القارئةَ هادئةً صفحاتِ نورٍ من مجد بيروت وبَهاء صيدا وبُطولات صور وأُعجوبة بعلبك. وإِنها باقيةٌ، هذه العبقرية، ولو لم يَتَسَنَّ لي أَن أَعيشَ فأَراها عائدة. المهم لا أَن أَرى أَنا بل أَن تراها أَجيالٌ آتيةٌ تؤْمن أَن لبنان الوطن كَشِلْح أَرزته: تَهزُّه الريح لكنَّها لا تُقَصِّفُه… ولَن.

هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib