كي نستحقَّ الــ”لا بُدَّ أَن”
“أَزرار” – الحلقة 1172 – “النهار” – السبت 20 آذار 2021

مشهد سابق : أُوكرانيا 2014

          خمسة أَيام في كييڤ كانت كافيةً لتُغيِّر القدَر: “ثورة الكرامة” بين 18 و23 شباط  2014. انتفض الشعب على سلطة تحكَّمت سنواتٍ ممسكةً الحكمَ بزمام الخارج، مغتصبةً حقوق الإِنسان فرديًّا وجماعيًّا. انهمر الشعب إِلى ساحة المدينة مسعِّرًا تظاهراتٍ غاضبة، حتى إِذا حاول رجالُ الأَمن قمعها بإِطلاق الرصاص الحي أَطاحهم الشعب واستُشهد ثوَّار ضحايا وأَكمل رفاقهم شقَّ الفجر الآتي وأَطاحوا سياسيين رموهم في مستوعبات النفايات وجرُّوهم في الشوارع. النتيجة: سقطت الطبقة الحاكمة وانبثقت سلطة انتقالية آلت بعد أَسابيع إِلى انبثاق سلطة جديدة أَخذت البلاد إِلى استقرار بدأَت معه تقطف ثمار الخمسة الأَيام.

مشهد حالي: لبنان 2021

          المواطنون في الساحات والشوارع هائجون غاضبون منذ 17 تشرين الأَول 2019، والسلطة الحاكمة متحكِّمة صمَّاء عمَّا يجري، والليرة اللبنانية تنهار يومًا بعد يوم، والأَدوية تتناقص يومًا بعد يوم، والرغيف يتضاءل يومًا بعد يوم، والذُل يخنق الناس كلَّ يوم، والسلطة آخذة وقتَها تنظيرًا في التشريع والتضييع والتشنيع والتمييع، والناس في غضب، والسياسيون (وفي بالهم مستوعباتُ النفايات في كييڤ) مختبئون في جُحورهم لا يجرُؤُون على الظهور في الأَماكن العامة، والشاشات تكتظُّ 25 ساعة في اليوم بالمحلِّلين والمنظِّرين و”الخبراء”، والناس في الشوارع لا يغادرونها إِلَّا ليعودوا إِليها، والمجتمع الدُوَلي يراقب ما يجري لشعبٍ يجِد حكامه يمارسون عليه ساديَّة القتل الجماعي.

لكنَّ شعبَنا صامد في عناده وثورته، وسيبقى مسعِّرًا غضبه، مدركًا حقَّه الشرعيَّ في الدفاع عن حقوقه بأَيِّ وسيلة يتيح له الدفاع، يحميه قانون جاء فيه: “كرَّس المشترعُ اللبناني حقَّ الدفاع المشروع في المادة 184 من قانون العقوبات وفيها: يُعَدُّ ممارسةَ حقٍّ كلُّ فعل قضَت به ضرورةٌ حالية لدفع تَعَرُّضٍ غيرِ مُحِقٍّ… ويُعتَبَر الدفاعُ المشروعُ حقًّا موضوعيًّا مطلقًا مقرَّرًا لجميع الأَفراد يُبيح لهم ارتكاب الجريمة لدَرء أَخطار تُهدِّدهم عند استحالة اللجوء إِلى الأَجهزة المختصة لاستيفاء حقهم أَو لمنْع وقوع الضرر، تغليبًا لمصلحة المعتدى عليهم على مصلحة المعتدي الذي يكون أَهدَر حمايةَ القانون وانتهَكَ قواعده”.

مشهد مقْبل: لبنان 2022

          قد لا يتمكَّن الشعب اللبناني، يأْسًا، من “ارتكاب الجريمة” بمعناها الجسدي اعتداءً على سياسيين أَو جَرَّهم في مستوعبات النفايات، لكنَّ في يده سلاحًا أَمضى لإِطاحتهم دستوريًّا قانونيًّا شرعيًّا تشريعيًّا. وهو سلاحٌ بسيطٌ هادئٌ، حجمُه أَصغر من كفّ اليد، مفعولُه أَقوى من صاروخ ومدفع، قادرٌ على إِسقاط هذه السُلطة جَماعيًا دون عناءِ إِسقاط رموزها فردًا فردًا. إِنها ورقة الاقتراع يوم الانتخابات المقبلة بعد أَشهر غير بعيدة. يومها سيقول الشعب كلمتَه، ويكونُ الأَمر له.

          “… ولا بُدَّ أَن يستجيب القدَر”؟ صحيح. لكنَّ القدَر ليس غيبًا بل حضورٌ ساطع. القدَر هو الشعب الثائر الغاضب. فليُمْسِكْ شعبُنا قَدَره ويحملْ كرباج ورقة الاقتراع ليستحقَّ الحياة فيستحقَّ يومها أَن يُنقذَه العالم.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق