هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

“نقطة على الحرف” – الحلقة 1269
أَلَـمٌ أَلَـمَّ أَلَـمْ… إِنْ أَنَّ آنٌ آن…
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَـد 14 آب 2016

ما زالت هالة المتنبي باسطةً حضورَها حتى اليوم في الأَدب العربي، وما زال الباحثون يجدون لديه ما يستنبطونه شكلًا وبعض مضمون، مع أَنّ في الكثير من قصائده مساومةً على الشعر جوهرًا وإِبداعًا، لإِرضاءِ حاكم أَو مدحِ والٍ أَو استعطافِ أَميرٍ طمعًا بولاية يقتطعها له فيحكُمها لشدة نهمه إِلى الحُكْم.

من هذه المساومات على حساب الشعر، بيتٌ له يرى فيه الكثيرون إبداعًا وهو ليس كذلك. والبيتُ هو:

أَلَـمٌ أَلَـمَّ… أَلَـمْ أُلِــمَّ بِـدَائِــهِ              إِنْ أَنَّ آنٌ، آنَ آنُ أَوَانِـهِ

ومعناه تفصيلًا: “أَلَـمٌ أَلَـمَّ”، أَي “وجعٌ أَصابني”، “أَلَـمْ أُلِــمَّ بِـدَائِــهِ” أي لم أعرف له مرضَه أو نوعَ دائه، “إِنْ أَنَّ آنٌ” أَي “إِذا تَوجَع مريض وراح يئنُّ من الأَلم”، “آنَ آنُ أَوَانِـهِ” أَي “حان أَوان شفائه أَو وقْت شفائه”.

وواضحٌ من البيت أَنه ضَرْبٌ من أُلعبانيات لفظية يتسلّى بها الشعراء لإِبراز براعتهم اللغوية من دون أَيِّ براعة إِبداعية، على عادة ناصيف اليازجي الذي راح يتسلّى بأَبياتٍ وأَراجيزَ كلُّها حروفٌ منقَّطة وأُخرى كلُّها بدون نقط، أَو بأَبياتٍ تُقرأُ طَـردًا وعكسًا، أَي من اليمين إِلى اليسار وهي ذاتُها تُقرأُ من اليسار إِلى اليمين، كما في هذا البيت اليازجيّ:

قَمرٌ يَـفرُطُ عَمْدًا مُشْرِقُ                                    رَشَّ ماءٍ دمْع طَرْفٍ يَرمُقُ  

ق م ر ي ف ر ط ع م د ا م ش ر ق                ر ش م ا د م ع ط ر ف ي ر م ق

ولا معنى له سوى أَن حروفَه جميعَها صالحةٌ هي ذاتُها ليُقْرَأَ البيت من اليمين إِلى اليسار وهي ذاتُها تُقرأُ من اليسار إِلى اليمين.

إِنه إِذًا عرْضُ عضلاتٍ لفظيٌّ سخيفٌ لا فائدةَ منه ولا طعم له ولا نقد عليه ولا رجاءَ فيه، ويسقط فورًا أَمام هيبة الشعر الحقيقي.

تبادر إِلـيَّ هذا الضرب اللفظي الفارغ في النظْم الأَجوف وأَنا أُصغي إِلى سياسيين عندنا يُصرِّحون ويخْطُبون ويعرِضون ويتكلَّمون في لغةٍ أَرْتَـحششتاويّة لا معنى لها ولا مضمون، تمامًا كبيت المتنبي أَلَـمٌ أَلَـمَّ أَلَـمْ أُلِــمَّ بِـدَائِــهِ إِنْ أَنَّ آنٌ آنَ آنُ أَوَانِـهِ، أَو كبيت ناصيف اليازجي الفارغ من كل مضمون.

ثلاثة أَيام من الحوار مرَّت ولم يَصدر عنها كلامٌ واحدٌ ذو مضمون، كأَنه كان حوارَ طرشان أَو حوارَ أَخصام أَو معاركَ ديوك سويدية، وتمخَّضت اجتماعاتهم الماراتونية عن تصاريح وَوُعود بلا مدلول، كأَنهم يسْخَرون من الشعب اللبناني، أَو كأَنهم يعتبرون الشعب اللبناني كلَّه قطيعًا أَمامهم كقطعان أَزلامهم ومحاسيبهم الذين يهيِّصون لهم مهما قالوا.

وما دام هؤُلاء، بعد 42 جلسة نيابية، قاصرين عن انتخاب رئيس جمهورية، فسوف يبقى الشعب اللبناني يعتبرهم قاصِرين عن تَسَلُّم مقدَّراته ومصيره، وسوف يَظلُّون في نظر الشعب أُلعبانيين لفْظيين لا خيرَ فيهم ولا رجاءَ منهم، وأَقصى ما يستاهلونه: سخافةُ بيت المتنبي

أَلَـمٌ أَلَـمَّ… أَلَـمْ أُلِــمَّ بِـدَائِــهِ             إِنْ أَنَّ آنٌ آنَ آنُ أَوَانِـهِ

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib