هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

نقطة على الحرف- الحلقة 1178
ثـــقــافـــةُ الشَّـــوَرْمَا
الأَربعاء 19 تشرين الثاني 2014

 

عن وكالة “رويترز” أَنّ افتتاحَ أَربعةِ مطاعم للشَّوَرْما قبل أُسبوعين في مدينة بْلْوَى (Blois) الفرنسية عند وادي نهر لْوَارْ أَثار لغْطَ سياسيين فرنسيّين متشدِّدين أُصوليين اعتبروا أَن ذلك “دليلٌ على الأَسْلَمة الثقافية”، وغالى أَعضاءُ من حزب الجبهة الوطنية اليمينيين المتطرّفين فاعتبروا أَنّ المدينة ذاتَ التاريخ الفرنسي العريق تتحوّل تدريجياً إِلى “مدينة شرقية”.

          ما شاء الله على هذا التفكير المغْلَق!

كأَنَّ هذا ما كان يَنقصُ، بعدُ، كي يكتملَ موزاييك التمييز العنصريّ والدينيّ في الغرب، فتُستخدَمَ الشَّوَرْما لـمهاجمة الدين الإِسلامي، كما يتنطَّح متشدِّدون عَرَبٌ لشؤُون أُخرى ناعِـتِـينَها بــ”الصليبيّة” لـمهاجمة الدين المسيحي.

          بعض المآكل يُـنسب إِلى أَمكنة أَو يُـعرف بِـمَوَاطنها، كــ”أُمّ علي” في مصر، والسمَك المسگُوف في العراق، والكُوسْكُوس في المغرب، والكَبَاب في سوريا (حلب تحديداً)، والفستُق المحمَّص في السودان، ونأْتي إِلى لبنان فتُعرَف فيه التبُّولة، وفي مناطقِه كبّةُ زغرتا وعرَقُ زحلة ومَوزُ الدامور وسَنيورةُ صيدا وصفيحةُ بعلبك وزنودُ الست في طرابلس وليموناضةُ البترون وكَــرَزُ حمانا وتفاحُ ميروبا وسواها.

          وثمة مآكلُ معروفةٌ بأَسماء أَعلام أَو مناطقَ، كـصلْصة شاتوبريان (نسبةً إِلى فرنسوا شاتوبريان الكاتب الفرنسي سفير بونابارت)، ولحمة ستروغانوفBeef Stroganoff(نسبةً إِلى الكونت الروسي أَلكسندروﭬــيتش ستروغانوف) أَو سَلَطَة سيزر Caesar Salad (نسبةً إِلى سيزر غارديني الإِيطالي صاحبِ مطعمٍ ركَّب تلك السلطة)، أَو خَوخَة مِلبا Pêche Melba (نسبةً إِلى مغنّية الأُوﭘــرا الأُسترالية نيلي مِلْبا)، أَو سَلَطَة والدورف (نسبة إِلى فندق والدورف أَستوريا الفخم في نيويورك)، عدا الجُبْنة الفرنسية المميَّزة أَو النبيذ الفرنسي، وبهما تعتزُّ فرنسا كاثنَين من إِنتاج أَرضها الموزَّع في العالم.

          أَفهم أَن يخلُط الغَرْب أَحياناً (والأَميركي تحديداً) في نسبةِ أَكْلَةٍ إِلى بلدٍ دون الآخر، كتعميم القهوة تركياً وهي ليست بالضرورة كلُّها تركية، غير أَن الاسم ما زال مُتَوارَثاً ومغلوطَ النسبة، كما كان أَوائلُ المهاجرين اللبنانيين والسوريين إِلى الولايات المتحدة في أَواخر القرن التاسع عشر يُدعَون “توركو” ولم يكن بينهم تركيٌّ واحد، لكنّ الدولة العثمانية كانت مهيمِنةً على المنطقة فنُسِبَ إِليها سكان المنطقة كلِّها.

        هذا يُمكن أَن يُفهَم، لَغْطاً أَو خَطَأً أَو تَوارُثاً تاريخياً. لكنَّ غيرَ المفهوم وغيرَ المسموح وغيرَ الأَخلاقي أَن يتناولَ مُتَشدِّد عنصريٌّ شوﭬــيني مُــتَــزَمِّتٌ أَكْلَةً فيستخدمَها لـمُهاجمة الدين ويَصِيحَ معترضاً بأَنها “مُسْلِمَة” أَو “شرقية” أَو “صليبية”. هذا تحقيرٌ للدين وحقارةٌ لِـمُطْلقها واحتقارٌ قيَماً سماويةً ساميةً ينشرها الدّين في المجتمعات.

ولا يجوز الأَخذُ بأَفعالِ خوارجَ على الدِّين والأَخلاق لإِطلاق الحُكْم على الدين وأَبنائِه في العالم، أَيّاً يكُن هذا الدِّين وأَنّـى يكُن أَبناؤُه الـمُؤْمنون.

_________________________

https://claudeabouchacra.wordpress.com/2014/11/23