هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

714: في تحضير الغياب

في تَحضير الغياب
السبت 8 تشرين الأول 2011
-714-

خلال اشتغالي الكثيف على جبران سيرةً ونتاجاً – تَحضيراً لكتابي الذي يصدر عنه قريباً – شكَّلْتُ بين قناعاتي أنّ جبران هيَّأَ على حياته أَمرَين رئيسَين: موتَه وحياتَه بعد موته. حين عرفَ في سنواته الأخيرة أن مرضَه قاتلُه، أخذ يرتِّب أوراقه وأعماله ومراسلاته كأنه يوْدِعُها فلا تضيع، وكان يعرف أن ماري هاسكل تدوّن مذكراتها معه وعنه يوماً فيوماً فيروح يُخبرها كي تدوّن ما يريدها هو أن تدوّن ليبقى عنه بعد غيابه. وكان يعرف أنها تحفظ رسائله فيكتب لها ما يريد هو أن يبقى من صورته بعد غيابه.
أكتب هذا وأمامي خبر من وكالات الإعلام عن مبادرة أدونيس إلى إيداع مؤسسة “ذاكرة المنشورات المعاصرة” في باريس كامل أرشيفه الخاص: 120 صندوقة مُفَهْرَسة، فيها كلُّ نشاطه الأدبي والشخصي طيلة 60 سنة، بين مطبوعات ومخطوطات وقصائد ومقالات وأبْحاث نقدية ومُحاضرات ودروسه في “كوليج دو فرانس” ومراسلاته وتعريباته وترجماته ومكتبته الضخمة وفيها مصنفات بطبعاتها القديمة الأولى في لغات عدة، والأعداد الكاملة من مَجَلَّتَي “شعر” و”مواقف”. وستهنأ مَحفوظات أدونيس في تلك المؤسسة بِحيِّز مُحترَم مع مَحفوظات ناظم حكمت وكاتب ياسين وجورج شحادة وأندريه شديد وكبار آخرين.
أَكتُبُ هذا وأفرح لأدونيس. مع أن زوجته خالدة كاتبة وناقدة ممتازة، وابنته نينار كاتبة وفنانة رائدة في جيلها، قرّر ألاّ يترك لأسرته الاهتمام بتراثه بعدَه خوفَ ألاّ يَجد مكانَه ومكانتَه كما هو يريدهما، فأَودَعَه حيث تبقى مَحفوظاته مَحفوظةً في الحيّز الأسلم، موضوعةً أمام أجيال مقبلة تعود إليها في شكلها الأَسلم.
أَكتُبُ هذا وأفكّر بالياس أبو شبكة الذي أَنقذَ تراثَه متحفُه بمسعى من بلدية زوق مكايل، وبمارون عبود الذي أَنقذَ تراثَه متحفُه في عين كفاع، وبأمين الريحاني الذي أَنقذَ كلَّ نتاجه، مَخطوطِه والمطبوع، متحفٌ هو بين الأكمل في المتاحف الشخصية.
أَكتُبُ هذا وأفكِّر بِجبران الذي أنقذَت ماري هاسكل تراثَه الكتابي والتشكيلي بتنفيذ وصيته في إرسال ذاك النتاج إلى بشَرّي فحَظِيَ بالمتحف الذي يحفظه اليوم من كلّ ضياع.
أَكتُبُ هذا وأفكِّر بمن غابوا وسوف يغيبون، وليس من يَهتمُّ بنتاجِهم مَخطوطِه والمطبوع، ولم يوْدِعوه مَن ينقذُه أو حيثُما.
أَكتُبُ هذا وأفكِّر بي، وولدي الوحيد في منآه الأميركي منصرفٌ إلى مستقبله ومستقبل أُسرته بعيداً عن كلّ نتاجي.
أَكتُبُ هذا وأَستدرك، وأَدعو إلى استدراك الغياب قبل وصوله، بتحضير الغياب فلا يكون مصيرُ النتاج شبيهاً بِمصير صاحبِ النتاج.