هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

361: حين “يَحمَى وطيس” مجلس الوزراء

السبت 19 حزيران 2004
-361-
ربما كان غريباً علينا في تاريخ لبنان الحديث أن “يَحمَى وطيس” مجلس الوزراء (هذا الذي في الآونة الأخيرة لم يعُد ينعقد أُسبوعياً حتى بات انعقادُه الموسمي “حدثاً وطنياً”) فيجتمع ثلاث مرات في يومين (الأربعاء والخميس هذا الأُسبوع).
لكنّ الأغرب منه أن يصرِّح أحد الوزراء (خ.هـ.) بأنّ “نجاح الجلسات الثلاث يعود الى غياب السياسة والتشنجات السياسية عن مناقشات الكهرباء والـ”سواب” لصالح المناقشات العلمية والتقنية البحتة”.
هكذا إذاً يا إخوان؟ وماذا كان يمنع أن تبحثوا هذه الأُمور المعيشية والمصيرية “علمياً وتقنياً” منذ البداية بعيداً عن التجاذبات السياسية وحسابات تسجيل النقاط “ربحاً وخسارة” وانسحاباً على الاستحقاقات الرئاسية والانتخابية، يعني: بعيداً عن وحل السياسة اللبنانية وما فيها من تيارات وتشنجات وتجاذبات وتحالفات واتفاقات و”كومبينات” وزعامات وقيادات وشخصيات ومشاكسات وحرتقات ونكايات وكيديات وانفعالات وتصريحات تقابلها تصريحات الى آخر “ليستات” هذا الموزاييك السياسي البشع الذي يحاصر الناس من كل الجهات والناس واقعون بين مطرقة هذا وسندان ذاك من “بيت بو سياسات” في كرنفال تهريجي مقرف تمتد مفاعيله الى كل حدث في البلد من انتخاب بلديات الى إعطاء الكهرباء سلفات الى إقرار الـ”سوابات” الى روابط أساتذة الجامعات الى عرقلة التعيينات في الوظائف والسفارات؟
كيف تريدون أن ينهض بلد وينمو بطاقاته المبدعة ومواهبه المتخصصة في شتى الحقول والميادين، وعلى كل فرد في هذا الوطن، كي يصل، أن يكون “محسوباً على” سياسي، أو “مدعوماً من” سياسي، فكأن الـ”مدعوم من” والـ”محسوب على” هما قاعدتا الوصول الى مناصب العمل ومسؤوليات الخدمة لجيلنا الجديد الواعي أكثر من جيلنا أنه يعيش في زمن سياسي لبناني ميؤوس منه طالما السياسيون متحكّمون بجميع “الاختصاصات” لمصالحهم الانتخابية والشعبية؟
وكيف ينمو بلدٌ ويتطوّر حين الحقيقة مدعوسةٌ بالشخصانية والفردية ومحسوبية مصادرها المكوّنة من “مكتب إعلامي” لهذا السياسي أو ذاك، ينطق باسمه ويوزع تصاريحه ويصحح تعليقاته ويبث أفكاره وآراءه “السديدة” بواسطة “مصدر مقرّب” أو “أوساط مطّلعة” أو مباشرة من وسيلته الإعلامية، فلكل سياسي عندنا، من غير شر، شاشة أو إذاعة أو صحيفة (تتحوّل متاريس سياسية لا وسائل إعلامية) وإذا انتفت فـ”مستشار إعلامي” يوزّع مغلّفات أو “هدايا” تصل الى أصحابها دورياً في الوقت المناسب كي تبقى “التغطيات” متواصلةً “كما جاء في الكتُب”؟
عبثاً يتعب السفير فؤاد الترك بالتبشير في لبنان “دولة المواهب لا المذاهب” طالما لبنان قائم على “مذاهب سياسية” أشد تعصباً وأشرس أصولية من المذاهب الدينية، تحاصر المواهب لدى أبنائنا الذين لا يحتملون ميليشياوية سياسيي الدولة فيشيحون عن دولتهم صوب أقرب سفارة تقذفهم الى دولتها حيث المواهب تصل لأنها مبدعة بدون أن تكون “محسوبةً على” أو “مدعومة من”، ثم نروح نحن نلحق بهم منادين “يا مهاجرين ارجعوا… غالي الوطن غالي”.
ومن الآن الى أن يتغيّر هذا الطقم السياسي الموغل في “شد الحبال” و”تسجيل النقاط” و”عضّ الأصابع” ومصالح الرؤساء والوزراء والنواب والسياسيين في استغلال جماعاتهم على حساب خبز الناس ومستقبل أولادهم ومصير الوطن، سنبقى نردد مقولتين تركهما لنا أبو ديانا سعيد تقي الدين: “اكتشفتُ في لبنان بغلاً جديداً اسمه الرأْي العام”، و”أفصح ما تكونُ القحباء حين تُحاضر في العفاف”.