ماتيلدا براون… الانطباعية المنسيَّة
النهار العربي 198 – الجمعة 23 أيلول 2022

هنري زغيب

بادرني صديقٌ أَمس بأَنني، في مقالاتي لـ”النهار العربي”، خارج السياق. وهو يعني أَنني لا أَكتب عن أَو من الوضع في لبنان.

جوابي كان مزدوجًا: الأَول أَنني غالبًا ما أَكتب عن أَو من الوضع في مقالاتي لــ”النهار” اليومية (في زاويتي “أَزرار” صباح كل سبت)، والآخر أَن “النهار العربي” منصَّة عربية بل عالمية واسعة، وتاليًا أَكتب وفي بالي قراء من أَيِّ دولة عربية قريبة أَو بعيدة، لا يهمهم ما يجري في لبنان من أَحداث سياسية وأَمنية واقتصادية، وحقُّهم عليَّ، ككاتب، أَن أُقدِّم لهم مادة ثقافية منوعة عربية وعالمية. فما قيمة الكاتب إِن لم يقدِّم لقرَّائه مادة جديدة تضاف إلِى ثقافتهم المعرفية؟

هذا ما أَنا فاعلُه لقراء “النهار العربي”، ولهذا أُحبُّ هذه المنصة الصحافية الساطعة، خصوصًا حين أُقدم لقرائها معلوماتٍ جديدةً من الثقافة العالمية، والأَخص عن أَعلام لا يعرف عنهم معظم قرَّاء العالم العربي، كمقالي اليوم عن رسامة انطباعية مغمورة منذ فترة طويلة حتى في الغرب.

هي

كانت ماتيلدا براون (1869-1947) من أَبرز وأَبرع الريشات الانطباعية في عصرها، لكنها في العقود الأَخيرة مغمورة على المستوى الإِعلامي العريض، ولم تنل ما تستحقُّه مثلما نالت رسامات أُخريات كما الأَميركية ماري كاسَّات (1844-1906) أَو الفرنسية بِرْتْ موريزو (1841-1895) وسواهما. لا يذكر النقاد سبب هذا التجهيل في كتب الفن الانطباعي التي تَذكر الرسَّامات الانطباعيات، بينما تلك التي عن الفن الانطباعي الأَميركي تركِّز تحديدًا على الرسَّامين دون الرسَّامات. لكن هذا الإِهمال لا يلغي أَن تكون ماتيلدا من أَبرز وجوه الفن الانطباعي في مطالع القرن العشرين.

في سيرتها أَنها ولدت في مدينة نيوَارك (ولاية نيو جرزي) وأَظهرت منذ طفولتها موهبة في الرسم. لذا بدأَت باكرًا (منذ هي في التاسعة) تزور محترف جارها الرسام توماس موران (1837-1926) أَحد أَركان “تيار نهر الهدسون” (جماعة رسامين انطباعيين أَميركيين شكَّلوا أَول تجمُّع تشكيلي منذ استقلال البلاد سنة 1776، وانصرفوا إِلى الرسم في حضن الطبيعة الأَميركية).

الموهبة الواثقة

شجعها والداها على تنمية موهبتها فدرست، مع موران، على عدد من أَساتذة الرسم: إِليونور غريتوريكس (1854-1917)، وكارلتون ويغينز (1848-1932)، والفرنسي جوليان دوبريه (1851-1910).

وصقلًا هوايتَها، اصطحبتها أُمها إِلى أُوروبا وهي في العشرين (1889)، فزارت في فرنسا وهولندا محترفات رسامين مهتمين برسم الماشية والمزارع (المواضيع التي تحبُّها)، وأَثمرت تلك الرحلة اشتراكَ ماتيلدا في معرض “الأَكاديميا الوطنية للرسم” (نيويورك).

  مالت ماتيلدا منذ مطالعها إِلى رسم الحيوانات، خصوصًا البقر وبعض الماشية. كما رسمت الأَزهار، خصوصًا في أَحضان الحدائق المزهرة. وكان لها أُسلوب خاص في رسمها تلك اللوحات، حتى أَن المهتم يتعرف فورًا إِلى لوحاتها. فأُسلوبها ذو نكهة انطباعية خاصة، مع أَن ضربات ريشتها في لوحاتها الريفية والقروية تذكِّر قليلًا بأَعمال الفرنسيين رسامي “تيار باربيزون” (باربيزون مدينة فرنسية قريبة من غابة فونتينبلو، أَثَّرت في عدد من الرسامين الانطباعيين فرسموا مناظرها ومشاهدها الجميلة).

في كونيتيكَت

من حبِّها عالَمَ الحيوان قامت بصنع تماثيل برونزية لبعض الحيوانات. وما هي حتى استقطبت إِليها الاهتمام والشُهرة، كما لم تشهَد رسامة في بيئتها المحيطة عصرئذٍ، لذا انتقلت إِلى ولاية كونيتيكَت تزاول فيها الرسم لدى مخيمات الفنون في “كوس” (بلدة غرينيتش) أَو “أُولد لايم” (في بلدة نيولندن). وفي هذا المخيم الأَخير كانت هي المرأَة الوحيدة المقبولة في تلك الحلقة الضيقة من رسامين كانوا يرسمون في باحات قصر فلورنس غريسوولد (1850-1937) وهي سيدة ثرية كانت تشجِّع الفنون. ومع أَن أُولئك الرسامين لم يكونوا يحبون أَن تكون بينهم امراة، إِنما كانوا يحترمون ماتيلدا ويقدِّرون أَعمالها الانطباعية. وكانت لها حظوة خاصة بالسماح لها أَن ترسم أَحد مداخل قصر السيدة فلورنس، وقربه بقرتان ترعيان في البعيد. وعزا البعض تلك الحظوة بما كان لماتيلدا من روح الدُعابة والمرح.

دخولها دائرة فلورنس

أَخذت أَعمالها تلفت الرسامين إِليها، واحتلت لوحة لها مكانها البارز مع سائر الرسامين في قصر السيدة فلورنس فوق المدخنة في قاعة الطعام الكبرى.

هكذا كانت ماتيلدا ناجحة في كل مسيرتها التشكيلية. نالت جوائز عدة، منها مِدالية شرف في المعرض الكولومبي العالمي (شيكاغو 1893)، وبرزت لوحاتُها في معارض كبرى منها معرض باريس الشهير.

تقرَّب منها كثيرون لكنها رفضَتْهم، وتزوَّجت سنة 1918 من فردريك فان ويك (1853-1936) وانتقلت معه إِلى منزله الفخم في مانهاتن (نيويورك). ولاحقًا، حين وضع سنة 1932 كتاب “تذكارات نيويوركي عجوز”، وضعَت له ماتيلدا جميع رسومه.

احتضانها لدى فلورنس

بعد وفاة زوجها (1936) عادت ماتيلدا إِلى بيتها القديم في غرينيتش (كونيتيكَت) وبقيَت فيه حتى وفاتها سنة 1947.

 بعضُ أَعمالها اليوم موجودة في مجموعات خاصة، لكن معظمها موجودة لدى قصر فلورنس غريسوولد الذي بعد وفاة سيدته تحوَّل إِلى متحف، وأَدخلته الدولة سنة 1993 على لائحة البيوت الأَميركية التراثية.

كلام الصور:

  • طفلة في حديقة زهور (1914)
  1. في رحاب الحديقة (1915)
  2. بقرات تشرب في الساقية (1905)
  3. زهور تنضح أَلوانها (1914)
  4. مدخل قصر السيدة فلورنس (1911)

ممنوع التعليق