عزباء اشتُهِرَت في رسم الأُمومة
النهار العربي 195 – الثلثاء 13 أيلول 2022

هنري زغيب

نادرًا ما مرت أَعمال رسام في تاريخ الفن، لم يرسم فيها زوجته أَو أَولاده في أَوضاع ومناسبات مختلفة، وغالبًا ما تكون تلك اللوحات من أَنجح رسومهم وأَعمالهم.

غير أَن تاريخ الفن لم يسجِّل رسامة أُغرمَت برسم الطفولة والأُمومة فيما هي لم تتزوَّج ولم تُنجب.    

إِنها الرسامة الأَميركية الوحيدة التي شاركت في معرض الانطباعيين (باريس). ومع أَنها لم تتزوَّج ولم تَلِدْ، اشتهرت بلوحاتها عن الطفولة، كاسرةً الحدود التقليدية في الفن، مركِّزة على دَور النساء الرئيس في رعاية أَطفالهن.

في هذا المقال أُضيْءُ على خمس من أَشهر لوحاتها الأُمومية.

هي

ماري ستفنسون كاسَّاتّ Cassatt (1844-1926) ولدَت في مدينة آلِّيغيني (حاليًّا ضاحية من مدينة بيتسبورغ في ولاية بنسيلفانيا). سنة 1865 انتقلت إِلى باريس للعمل في إِشراف وتوجيه الرسام الفرنسي الأَكاديمي جان ليون جيروم (1824-1904)، ثم انتقلت إِلى إِيطاليا تعمّق دراستها في أَعمال الانطباعيَّيْن كوريدْجيو (1489-1534) وبارميجيانينو (1503-1540). وحين عادت إِلى فرنسا (1874) بدأَت تشارك في معرض باريس السنوي، فكانت الأَميركية الوحيدة التي تعرض فيه.

سنة 1877 تعرفَت بالرسام إدغار دوغا (1834-1917) فطلب منها الانضمام إِلى فريق مستقل من الرسامين والنحاتين الانطباعيين، وشاركت في أَربعة من معارضهم الثمانية. تنامت تقنيتُها بتأْثير دوغا على أُسلوبها، وشجَّعها في الرسم على الخشب (فن “أُوكيو” الياباني الذي كان رائجًا فترتئذ بين الانطباعيين). وتوثقت علاقتها بدوغا فكانا غالبًا يرسمان معًا.

مالت كاسَّاتّْ إِلى رسم الوجوه. بين أَواخر السبعينات ومطالع الثمانينات رسمت وجوهًا من أُسرتها ومن المسارح ودور الأُوبرا. ومع الوقت ابتعَدَت عن التيار الانطباعي حتى إذا حلَّت سنة 1886 كانت نهائيًّا خارج كلِّ تيار فني.

هي والأُمومة والطفولة

مع أَن الأُمومة تتعارض ووضعها كعزباء، ركزت أَعمالًا لها كثيرةً على العلاقة بين الأُم والطفل، وهي أَشهر أَعمالها حتى اليوم. كانت تطمح أَن تُعيد لوحة “العذراء والطفل يسوع” كما رسمها كبار الانطباعيين الفرنسيين والإِيطاليين، ناقلةً إِياها من أُسلوبهم القديم إِلى أُسلوبها المعاصر. وهي بدأَت بسلسلة منها، لأُمهات وأَطفالهن، برزت فيها واضحةً، من روائع النهضة، معالم وخطوط وبساطة وشفافية. من هنا لقَّبها بعض تجار اللوحات “العائلة المقدسة المعاصرة”.

تميزَت عن لوحات النهضة بلمسات عميقة وواقعية في اختيارها مواضيع قديمة وَسَمَتْها بأُسلوبها الجديد، مبتعدةً عن كل ما فيه إِيحاء جنسي غالبًا ما كان جليًّا في لوحات النهضة. ركزَت على لمسة الحنان في الجسد، وهي تلقائيًّا لا تعطى إِلَّا للأُمومة. ولكي تُبعِد عن تفكير الرجال أَن ينظروا إِلى المرأَة كمصدر شهوة، لم ترسم عُريًا بل المرأَةُ في جميع لوحاتها مرتديةٌ كامل ثيابها، وليس من عري في لوحاتها إِلَّا عند رسمها الأَطفال لأَنه ليس مثيرًا شهوةَ الرجل. فالطفل في عُرفها يمثل البراءة والنقاوة والأَصالة غير المفتَعَلَة.

ماذا عن لوحاتها الخمس؟

  1. المرأَة الخياطة

سنة 1900 وضعت لوحة “أُمّ شابَّة تَخيط” رسمَت فيها طفلةً على حضن أُمها، تتطلع إِلى البعيد، وأُمها تخيط صامتة أَمام نافذة عريضة مفتوحة. بعد أَقل من عام واحد على إِنجاز اللوحة، اشترتْها هاوية الأَعمال الفنية السيدة لويزين هافماير التي دوَّنَت: “أَنظر في فرح إِلى هذه الطفلة الجميلة التي ارتمت على حضن أُمها غير معتبرة أَنها قد تزعجها في لحظة الخياطة. وبالفعل لم تزعجها بل تقبَّلت الأُم بكل حنان طفلتها على أَطراف حضنها، وأَكملت الخياطة”.

  1. حمَّام الطفلة

من روائع كاسَّاتْ لوحة “الطفلة في الحمام”، وفيها تركيب نادر لافت. فخلفية اللوحة وثياب الأُم تتناقض مع عري الفتاة. وفي ذهن الرسامة أَن وقت الاستحمام لحظات خاصة: الطفلة تنظر باهتمام، الأُم تدلق الماء على ساقَي الطفلة الطريتين، فيما تغمر الطفلة كي لا تنزلق أَو تَهوي.

  1. نزهة في المركب

بعد 1893 أَمضت كاسَّاتْ صيفيات عدة قرب شواطئ الأَنتيب في فرنسا. وبرزت في أَعمالها فترتئذٍ أَلوان مشرقة نابضة حية، وبرز الأُفق في أَعلى اللوحة كما ليكسر كل شعور ببُعد المسافة. وهذه اللوحة (بقياسها الكبير: 90×118 سنتم) بين لوحات أُخرى شاركت بها كاسَّاتْ عند أَول معرض فرديّ لها في الولايات المتحدة.

  1. لمسة الحنان

في هذه اللوحة التقطت كاسَّاتْ لحظة نادرة من طفلة تداعب خدَّ أُمها، والأَرجح أَنهما في حديقة، فالخلفية بعيدة وخفيفة كي لا تسرق الاهتمام عن النظر إِلى الأُم وطفلتها التي تداعب خدَّ أُمها بفرح رائع.

  1. أُمٌّ وطفلتها أَمام المرآة البيضاوية

لهذه اللوحة عنوان آخر: “العذراء الفلورنسية”، وهي قريبة الشبه جدًّا من لوحات النهضة الإِيطالية عن العذراء والطفل. ومن وضعية الطفل أَمام المرآة تبدو وراءه كما هالة، وعلى وجه أُمه فرحة عذبة وحنان كثير وهي تحضنه إِلى صدرها.

وعلَّق دوغا على هذه اللوحة بقوله: “في هذه اللوحة أَرى الطفل يسوع ومربيته الإِنكليزية”.

كلام الصور:

  • “لمسة الحنان” (1896)
  1. ماري كاسَّاتْ – “رسم ذاتي” (1880)
  2. “طفلة على ركْبَتَي أُمها وهي تخيط” (1900)
  3. “طفلة تستحمُّ مع أُمها” (1893)
  4. “نزهة بحرية” (1894)
  5. “أُمٌّ وطفلُها أَمام المرآة البيضاوية” (1899)

ممنوع التعليق