عاطلون عن العمل… عاطلون عن الأَمل
نقطة على الحرف – الحلقة 1561 – صوت كل لبنان – الأَحد 27 آذار 2022

عن أَحدث الإِحصاءَات أَنَّ 50 أَلف لبناني ولبنانية تَرَكوا العمل أَو تُرِّكوهُ. وهذا الرقمُ الحزينُ يضافُ إِلى رقمٍ آخرَ مُرعبٍ أَنَّ نصف مليون لبناني عاطلون عن العمل. وفي إِحصاءٍ أَخير قبل يومين أَنَّ مليونًا ونصفَ مليون لبناني يعيشون تحت خط الفقر وأَنَّ نسبة الفقراء في لبنان بلغت 63% بالمئة من سكان البلاد، وأَنَّ 30% من اللبنانيين لا يتجاوز دخلُهم اليومي أَربعة دولارات، ويضيف هذا الإِحصاءُ الأَخير أَنَّ بين كلِّ ثلاثة شبان في لبنان شابًّا عاطلًا عن العمل.

لن أُكمل هذه الأَرقامَ السوداء، فشعبُنا غارقٌ حتى العدم في أَيامه السوداء.

مع ذلك، مع كل ذلك، وبالرغم من كل ذلك، يتواقح بين المرشَّحين مَن يطرحون اسمَهم لانتخابات أَيار. وبدأُوا يُوَسِّخون لوحاتِ الإِعلانات وحيطانَ الشوارع والبيوت بالشعارات ذاتها كما من قبْل، والوعود ذاتها كما من قبْل، والأَكاذيب ذاتها كما من قبْل، كأَنَّ شعبنا ما زال في رفاه الحياة، كأَنه بعدُ يؤْمن بأَكاذيب السياسيين، كأَنه لم ينتفضْ عليهم ليخلَعَهُم هُم ونسلَهم عن مقاعد الحكْم والتحكُّم والإِحكام.

وكيف لا يفعل ذلك، هؤُلاء السياسيون “الـمُرْشَحُون”، وفي بالهم أَنَّ محاسيبَهم وأَزلامَهم قطعانٌ أَمامهم مطيعون صاغرون صابرون مستسلمون مستزلمون، سيُؤَيِّدونهم عميانيًّا قطعانيًّا في صندوقة الاقتراع.

وهذا ما يفسِّرُ عيشَ معظم السياسيين في مجرَّة أُخرى، لا يسمعون نداءَ الشعب واستغاثةَ الشعب وأَوجاعَ الشعب، مطمئِنِّين إِلى أَنهم متى نادوا على الشعب سيجدونه أَمامهم صنَمًا يُديرونه كيفما شاؤُوا، يَستعملونه متى ما شاؤُوا، يَطردونه إِذا ما شاؤُوا، يستغلُّونه حيثما شاؤُوا، فلا خوفَ إِذًا على مقاعدهم يَسْبَطِرُّون عليها أَبًا عن جَدّ، ويُوَرِّثُونَها نَسْلَهم من بعدهم إِلى دهر الداهرين.

أَمَّا كيف يمكنهم أَن يناموا، وثُلْثُ شعبِنا جائعٌ، وكيف يطْمَئِنُّون إِلى بقائهم في الحكْم، وفي لبنان نصفُ مليون عاطل عن العمل، فهذا ما يجعلهم على أَكتاف فئة من الشعب غبيَّةٍ خانعة خاضعة طائعة.

العاطلون عن العمل عاطلون عن الأَمل. قد يَجدون عملًا ما، في وقتٍ ما، في ظرفٍ ما، في شروطٍ ما، لكنهم لن يجدوا بعدُ الأَمل لأَنهم فقدُوا الثقة بقادتهم وزعمائهم ورؤَسائهم. ولأَنهم فقدوا الثقة نهائيًّا لن يستعيدوا الأَمل مع هؤُلاء القادة ولا هؤُلاء الزعماء ولا هؤُلاء الرؤَساء في أَيِّ موقعٍ رئاسيٍّ كانوا، وهذا حافزٌ لهم أَن يَطردوهم جميعًا من حساباتهم، ويعاقبُوهم يوم الانتخاب بإِسقاطهم لا من صندوقة الاقتراع بل في صندوقة الإِهمال والنسيان.

أَعرف أَن كلامي لن يخترقَ مجموعةً في شعبنا من الأَزلام والمستزلمين، لكنني واثق بأَن بين 500 أَلف لبناني عاطلين عن العمل كثيرين ما عادوا أَزلامًا ولا أَغنامًا بل باتوا كتلة غضب وقَرف ولعنة، ما عادوا يصدِّقون شعارًا على حيط، ولا أُكذوبةً على لافتة إِعلانية، ولا خطابًا دجَّالًا، ولا حوارًا تلفزيونيًّا انتخابيًّا، لأَنَّ الجوع أَقوى من وُعُود “الـمُرْشْحين”، وانقطاعَ الراتب آخر الشهر أَقسى من أَن يصدِّقوا سياسيًّا كان اشتراهم ذات انتخاب سابق ثم باعهم بعد وصوله إِلى ساحة النجمة.

وإِذا كان “مين جرَّب المجرَّب بيكون عقلو مخرَّب”، ليتحملِ النتيجةَ الأَغبياءُ الباقون في شعبنا مصدِّقين، مخرَّبي العقول، صَدِئي الكرامة، فليس بهؤُلاء الخانعين سيُشْرقُ فجرُ لبنان الجديد.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib+