أَلْبِرتْ الريحاني نهضَويٌّ من لبنان (1 من 3)
النهار العربي 125 – الثلثاء 11 كانون الثاني 2022

هنري زغيب

غالبًا ما يؤْتى على ذكْره بأَنه ناشر مؤَلفات شقيقه الكاتب الكبير أَمين الريحاني، والـمُسهِم الأَكبر في نشْر أَدب الأَمين بإِصدار طبعات متتالية من كتُبه، ما وسَّع كثيرًا من مساحة قرائه. وهذا صحيح، لكنَّ أَلْبِرتْ الريحاني لم يكن مجرَّد ناشر وحسْب، بل كان رائدًا نهضويًّا لبنانيًّا وعربيًّا في أَكثر من ميدان.

ولد أَلْبِرتْ في نيويورك سنة 1900. وهو أَصغر أَبناء فارس الريحاني وزوجته أَنيسة، في أُسرةٍ من البكْر أَمين (ولد سنة 1876) وهو الذي سيُصبح الكاتب اللبناني العربي الكبير، وأَسعد، وسعدى (ستتزوَّج لاحقًا من نعوم مكرزل مؤَسس جريدة “الهدى” سنة 1898 في فيلادلفيا ثم سنة 1902 في نيويورك)، وأَدال (ستتزوج سنة 1907 من القاضي يوسف ابرهيم صادر صاحب “مطبعة صادر” ناشرة “المجلة الحقوقية”)، ويوسف (عاش معظم حياته في ميريدا – المكسيك).

كان أَلْبِرتْ في سنته الثانية حين توفي والدُه (1902) فعادَت الأُسرة (1904) إِلى “الفرَيْكة” (البلدة الأُم في لبنان)، ليدخل أَلْبِرتْ إِلى الدراسة الابتدائية في مدارس الجوار، ثم الثانوية في “الإِنترناشيول كولِدج” (الملحق بالجامعة الأَميركية في بيروت). عاد شقيقُه البكْر أَمين إِلى نيويورك سنة 1910 ليُصدر فيها بعد سنةٍ (1911) “كتاب خالد”، أَول رواية بالإِنكليزية لكاتب عربي.

أَخذ أَلْبِرتْ يتولى، ما أَمكنه، شؤُون العائلة، خصوصًا إِبان الحرب العالمية الأُولى، فسافر إِلى أَضَنَة (تركيا) لتأْمين القمح، وسنة 1925 إِلى ميريدا (المكسيك) حيث شقيقُه يوسف. وإِذ تَـمَّ قبوله سنة 1929 في جامعة كولومبيا (نيويورك) الْتحق بها لدراسة الاقتصاد، فتخرَّج منها سنة 1933، وعاد إِلى لبنان شريكًا مع صهره يوسف صادر في دار النشر التي تحوَّلت إِلى “مؤَسسة صادر- الريحاني”، وفيها المطبعة التي صدرَت عنها مجموعة كبيرة من المؤَلفات المهمة.

أَلْبِرتْ الناشر

غير أَن أَلْبِرتْ استقلَّ بعد فترة، فأَسس دارَ نشر خاصةً به (“دار الريحاني للطباعة والنشر”)، وانتقل إِلى مكتب خاص به في مبنى “التياترو الكبير”. ومُشْبَعًا بما اكتنزه من سنواته الأَميركية، أَخذ ينشر كتُب شقيقه أَمين وسواها، في أَناقة لافتة حملَت له سنة 1939 جائزة “أَفضل ناشر” من “معرض الكتاب الدولي في نيويورك”.

بعد وفاة شقيقه أَمين (13 أَيلول/سپتمبر 1940) أَخذ يهتم بما تركه من مخطوطاتٍ يُصدرها تباعًا، بدءًا من كتاب وضعه عنه سنة 1941: “أَمين الريحاني – أَعمالُه، حياتُه، منتخبات من كتاباته”. وفي السنة ذاتها تزوَّج من لورين شقير التي باتت شريكة حياته ونجاحاته المهنية والأَدبية والاجتماعية. وأَثمر هذا الزواج أَربعة أَولاد: أَمين، مي، رمزي، سرمد.

مع مطلع الخمسينات، انتقل أَلبرت بدار النشر إِلى مقرٍ جديد (باب إِدريس – بيروت) أَصبح ملتقى أَهل الفكر والأَدب. وأَخذت تصدر عن “دار الريحاني” مجلاتٌ رائدة فترتئذٍ: مجلة “شعر” (برئاسة يوسف الخال)، مجلة “الحكمة” (برئاسة فؤَاد كنعان”)، مجلة “صوت المرأَة” (برئاسة فؤَاد سليمان ثم إِدڤيك شيبوب)، مجلة “الإِذاعة اللبنانية”، ومجلة “دنيا الأَحداث” فــ”الفرسان” (برئاسة زوجته لورين الريحاني).

كان أَلْبِرتْ الريحاني، بدقَّته ومهنيَّته العالية، يُشرف على صدور تلك المجلات الأَدبية الرائدة، فاستقطب إِلى “دار الريحاني” أَعلام الحركة الأَدبية اللبنانيين: مارون عبود، أَمين نخلة، سعيد تقي الدين، خليل تقي الدين، فاضل سعيد عقل، فؤَاد كنعان، يوسف الخال، جميل جبر، إِمِلي فارس ابرهيم، ونخبة من الأُدباء العرب: أَحمد الصافي النجفي، أَحمد رامي، خليل سكاكيني، فؤاد الشايب، حمَد الجاسر، ومن الأُدباء الأَجانب: المستشرق ميشال فونتين، وليم هوپ (من الجامعة الأَميركية)، جاك كابس (من جامعة نيويورك).

وتخليدًا تذكارَ شقيقه الأَمين، حوَّل بيته في الفريكة إِلى “متحف أَمين الريحاني”، دشَّنه باحتفال رسمي سنة 1954. وواصل عمله الأَدبي فجمَع في تلك الحقبة نخبة أَكاديميين جامعيين وضعوا “الموسوعة العربية” فكانت حدَثًا ساطعًا في تلك الحقبة، كتب مقدمتها فؤَاد صروف وأَصدرَها أَلْبِرتْ سنة 1955. وازدهرت معه “دار الريحاني” بين أَفضل دُور النشر في لبنان والعالم العربي، فأَصدر، إِلى كتُب شقيقه الأَمين، مؤَلفات أَعلام كبار:  يوسف السودا، صلاح لبكي، عبدالله النجار، جميل بيهم، توما الخوري يعقوب، جوزف نجيم، وديع ديب، ديزي الأَمير، ياقوت الفقيه، إِملي فارس ابرهيم وسواهم.

الفريكة محج أَدبي فكريّ

مع تحويله “بيت الفريكة” متحفًا لأَخيه أَمين، جعل المتحف محجًّا أَدبيًّا وفكريًّا، راح يدعو إِليه صيفًا أُدباء يُمضون فيه خلوات كتابة فيه أَو في جواره، فكان وزوجته لورين يستقبلان فيه أَعلامًا من لبنان وسوريا والعراق ومصر والسودان، يتباحثون في شؤُون الفن والأَدب والفلسفة والسياسة: سعيد عقل، شارل مالك، إِدڤيك شيبوب، موريس الجميّل (منشئ وزارة التصميم في لبنان)، الرسام مصطفى فروخ، النحات يوسف الحويك، تقي الدين الصلح، يوسف الخال، فؤَاد صروف (رئيس الجامعة الأَميركية – بيروت)، شارل قرم، جميل جبر، الشيخ عبدالله العلايلي، سهيل بشروئي، أَحمد الصافي النجفي، إسحق موسى الحسيني، محمد الفضل الجمالي (رئيس حكومة العراق زمن فيصل الثاني)، أَليس قندلفت (مستشارة البعثة السورية في الأُمم المتحدة)، محمد علي الطاهر (صحافي فلسطيني عاش في مصر)، الكاتبة العراقية ديزي الأَمير، وسواهم. كما شهد بيت الفريكة والحديقة أَمامه عددًا من الاحتفالات العامة: سنة 1948 تكريم إِيليا أَبو ماضي بحضور ميخائيل نعيمة ومحمد البعلبكي وفؤَاد سليمان وإِدڤيك شيبُوب. سنة 1952 تكريم شعراء المهجر البرازيلي: شفيق معلوف، الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري)، الياس فرحات، وتكلَّم في الاحتفال: عبدالمسيح حداد (من “الرابطة القلمية” – نيويورك)، صلاح لبكي، الشيخ عبدالله العلايلي. وفي السنة ذاتها: تكريم ماري مكرزل ناشرة جريدة “الهدى” – نيويورك، وكانت تسلَّمت إِدارتها عقِب وفاة والدها سلُّوم مكرزل عامئذٍ. وسنة 1958 احتفاء بشارل مالك (لانتخابه رئيس دورة في الأُمم المتحدة) وكان خطيب الاحتفال محمد أَحمد محجوب (لاحقًا رئيس حكومة السودان).

هكذا كان أَلْبِرتْ الريحاني، إِلى نجاحه ناشرًا رائدًا، علَمًا ساطعًا في سيرته الشخصية والأَدبية ومسيرته المهنية: نقيب أَصحاب المطابع، نقيب الناشرين، نائب رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، أَحد مؤَسسي “مجلس المتن الشمالي للثقافة”، مؤَسس متحف أَمين الريحاني (أَول متحف خاص في لبنان)، ومنشئ بلدته “الفرَيْكة” مركزًا ثقافيًا رائدًا في لبنان.

المقال التالي: أَلْبِرتْ ولورين زوجان في خدمة الأَدب (“النهار  العربي” الجمعة المقبل)

كلام الصوَر

  • على شرفة الفرَيكَة: أَلْبِرتْ الريحاني (يمين الصورة)، سعيد عقل (يسار الصورة)، وإِلى يمين أَلْبِرتْ المحامي الأَديب أَنطُون قازان
  1. أَلِبِرتْ ولورين يستقبلان محمد علي الطاهر (بالطربوش)
  2. تكريم إِيليا أَبو ماضي في الفريكة (عن جريدة “كل شيء” – 10 كانون الأَول/ديسمبر 1948)
  3. لورين تستقبل الشيخ موريس الجميّل
  4. لورين تستقبل الدكتور فؤَاد صروف

ممنوع التعليق