الخيانةُ العُظمى وزمان الغضب والتَغَيُّر
“نقطة على الحرف”- الحلقة 1498
“صوت كلّ لبنان” – الأَحد 10 كانون الثاني 2021

لستُ المرجِع الصالح، ولن أَكون ولا أَطمح أَن أَكون، لأُفسِّرَ دستوريًّا وقانونيًّا معنى “الخيانة العُظمى”، ولا عقوباتها ولا متى سلوكُ السياسي المسؤُول يبلغ درجةَ الخيانة العُظمى كي يحاكَم ويعاقَب.

غير أَن مجهولاتي الواسعة في هذا الأَمر لا تلغي معلوماتي الواسعة عمَّا يجري حولي، فرديًّا في الشخصيّ أَو جَماعيًّا في الوطنيّ، بعدما بات الوضعُ في لبنان متفلِّتًا سورِّياليًّا من كل معيار.

المسؤُول الذي أَوصل البلاد إِلى انهيارٍ مالي تراكُمي جعل التضخُّم يَبلغ مدًى لم يبلُغْه عند أَقسى وأَقصى أَيام الحرب في لبنان… ما الفرق بين فِعْلَته والخيانة العظمى؟

المسؤُول الذي قصَّر في المبادرة الفوريَّة التي سبَّب تقصيره عنها انفجارَ المرفإِ الرهيبَ الذي جعل رئةً من بيروت دمارًا كارثيًّا سقط تحت ركامه أَهلٌ وأَحبَّةٌ وتراث، ما الفرق بين تقصيره والخيانة العظمى؟

المسؤُول الذي غرَف خيرات الدولة ومركزُه السياسيُّ غطَّاه عن كشفه وانفضاحه فسبَّب التلاشي في مالية الدولة حتى الانحلال، ما الفرق بين جُرمه والخيانة العظمى؟

المسؤُول الذي يمارس الفساد أَو يغطّي الفساد أَو يتستَّر عن الفساد أَو يوغل – جهلًا أَو عمْدًا أَو غباءً – في تضخُّم الفساد حتى بات ورَمًا سرطانيًّا قاتلًا يقضُم صحة البلاد حتى النفَس الأَخير، ما الفرق بين فَساده والخيانة العظمى؟

المسؤُول الذي جعلَ الوضع الصحي والمالي والبيئي والأَمني في البلاد ضاغطًا على حياة المواطن الأَعزل حتى دفَعَه إِلى الهجرة أَو الانتحار، ما الفرق بين سلوكه والخيانة العظمى؟

المسؤُول النَيروني الذي يرى من شُرفته المتكبِّرة كيف تحترق البلاد في جميع قطاعاتها، ولا يرِفُّ له ضمير، وما زال يواصل التنظير  والتصريح والتأْخير والمماطلة والتعطيل والعناد والنكَد والتصويبَ على خصومه وفرْضَ الشروط المستحيلة وتبذيرَ الوقت على جثث المواطنين الأَحياء، ما الفرق بين نيرونيَّته والخيانة العظمى؟

يسُودُ بين الناس أَن الانتخابات – باكرةً أَو لاحقةً أَو مؤَجَّلة قسرًا وقهرًا – لن تُغيِّر في الوضع السياسي لأَن مَن هم اليوم في السلطة سيعودون هُم هُم إِلى السُلطة، أَو مَن يمثِّلُهم أَو مَن هو من نَسْلهم الموبوء. لكنَّ هذا السائد لا، لن يكون، ولن يعود، ولن يرضى به الشعبُ أَن يعود.

الشعب الذي انتفض كي يخلَع المسؤُول عن كرسيِّه ويخلَع على رأْسه الكرسي، لن يعيد شرف الكرسي إِلى مسؤُولٍ عاهرِ الفساد، أَوصل الناس إِلى الفقْر الفردي والموت الجَماعي.

ما الدليل؟ الدليلُ لدى أَصحاب الكلمة: الكلمةِ الأَمضى من كل طعنة، الكلمةِ الأَقتلِ من كل رصاصة، الكلمة التي وحدها تَهدِم السلطة ومَن في السلطة ومَن يتسلَّمون السلطة ومن يتسلَّطون على السلطة.

الثورة الفرنسية لم تُولد في 14 تموز 1789، بل وُلدَت قبلذاك بسنوات، منذ راح أَصحاب الكلمة المتنوِّرون الغاضبون يشحنون شعبهم بالغضب حتى انفجَر الغضب إِطاحةَ بوابة الباستيل وما تلاها حتى رؤْية الناس رأْسَ ماري أَنطوانيت يتدَحرج تحت شفرة المقصلة.

ولبنان لن يكون بعيدًا عن هذا المشهد، وسيشهد الناس رؤْوسَ مسؤُولين تتدحرج تحت مِقصلة الشعبِ الغاضب، الشعبِ الذي يكون أَصحاب الكلمة الحرَّة شَحَنُوه بالغضب حتى يخلع بوابة الباستيل اللبناني، مُوقِنًا بغضَبه الهائج أَنَّ أَقلَ ما اقترفه هؤُلاء المسؤُولون هو ارتكابُهم، بكل وقاحةٍ، جريمةَ الخيانة العظمى.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق