الـمَـتْـرَدَة : من الجائحة إلى اللاقحة
النهار العربي (16) – الجمعة 25 كانون الأول 2020

هنري زغيب

 

الجوُّ العام في العالم كلِّه اليوم: التلقيح، وهو رافدٌ من “الـمَـتْــرَدَة”.

أُسارع إِلى توضيح اشتقاقي الكلمة، قبل المباشرة بتوسيع المقال.

“الـمَتْرَدَة” (Mithridatisation) عمليةُ حَقنِ الجسم بموادَّ سامَّةٍ جرعاتٍ خفيفةً متدرِّجة، تُسهم تباعًا في تقوية مناعته ضد الأَوبئة والجراثيم.

الكلمة منسوبة إِلى ميتْريدات السادس الكبير (132 – 63 ق.م.) ملِك ﭘُـونْتُس (مملكة هيلستينية على شاطئ البحر الأَسْوَد – حاليًّا في تركيا محاذيةً جورجيا). وقصة ذلك أَن الملك ميتريدات، حين انقلب عليه ابنُه فارناس واستولى على مملكة أَبيه ومعها البوسفور، شعر بالجيش يتقدَّم نحو قصره كي يعتقله، فأَخذ جرعات من السم كي ينتحر بها، لكنها لم تكن كافيةً لتقضي عليه، فانزوى مذعورًا في زاوية من القصر حتى وصل إِليه جندي من جيش ابنه أَجهز عليه.

من سلبيَّة الـمَتْرَدَة

ولأَن عملية الحقْن تلك ليسَت ناجعة بل أَخذَت مع الزمن معنى سلْبيًّا، اشتقَقْتُها على وزن “مَفْعَلَة” السلبيّ (كما مَذبَحة، ومَجزَرة، ومَلْعَنة، ومَسْكَنة، ومَفْسَدة، ومَوبَقَة،…).

عدم جدوى تلك العملية يجعلها مختلفة كليًّا عن التلقيح (وهو كذلك يتضمن حيويات مضادة تقي من العدوى والتقاط جرثومة الوباء). من ذلك أن الحيوانات البرية، في صراعاتها داخل الغابات، كان بعضها يذهب غريزيًّا إِلى نباتات سامة يقضمها ثم يروح ينفثها في العدو أَو يلمسه فيسقط العدوُّ مسمومًا صريعًا.

هذه “الـمَتْردة” دخلت لاحقًا في عدد من الأَعمال الأَدبية، أَبرزُها رواية الكاتب الفرنسي أَلكسندر دوما “كونت جزيرة مونت كريستو” (1844)، وعملية الـ”مَتْرَدَة” أَساسية في الرواية. وكذلك رواية الكاتب الأَميركي وليام غولدمان “الملكة العروس” (1973) وفيها مناعةُ القرصان روبرت ضدَّ السموم التي حاول أَعداؤُه قتلَه بها، ورواية الكاتبة اليابانية أِكيزوكي سوراتا “شيرايْوُوكي ذات الشعر الأَحمر” (2006) وفيها اعتيادُ الأَمير زِنْ على تَجرُّع السُم جرعاتٍ خفيفةً منذ طفولته كي يأْمن المناعة في جسمه، لكنها لم تنفعه فعليًّا عند مداهمة الخطر.

إِذًا: الـ”مَتْرَدَة” غيرُ ناجعة عمومًا، عكسَ التلقيح، وهو اليوم حديث الناس في كل العالم. فماذا عن التلقيح؟ وكيف نشَأ؟

منذ السحيق من السنوات لاحظ المعنيون بأَنَّ مَن يصابون بمرضٍ مرةً أُولى نادرًا لم يكونوا يصابُون به ثانيةً.

… إِلى إيجابية التلقيح

جرى ذلك في القرن السابع عشر مع وباء الجدري الذي قضى على الآلاف. منذئذٍ أَخذ الأَطباء يَحقنون الأَجسام بجرعات قليلة متباعدة من قيح الدمامل فيتحصَّن الجسم تباعًا بمناعة تحميه من إِصابته بالجدري إِصاباتٍ قاتلةً صاعقة.

إِلى أَن كانت مصادفة إِيجابية جرَت مع إِدوارد جينِر (1749 – 1823) وهو طبيب في الريف الإِنكليزي، عايش في منطقته تَفَشِّي وباء “البقَريات” (شبيه بالجدري) لكنه لاحظ أَن قَروياتٍ على تماسٍّ ضيِّق مع مَزارع البقر لم يكُنَّ يُصَبْن بذاك الوباء. حاول أَن يَحقن فأْرًا في مختبره بخزعات من البقر فلم يعد الفأْر يصاب بمرض البقريات.

منذئذٍ انتشر ذاك الاختبار في كل أُوروﭘـا، وبدأَت تظهر شركات طبية لتصنيع اللَقاحات ضد الجدري.

ثم جاء العالم الفرنسي لويس ﭘـاستور (1822 – 1895) فدرس دور الجراثيم في تفشي الأَمراض الوبائية، مختبرًا إِياها على حيوانات داجنة، واكتشف أَن وباء “كوليرا الدجاج” ناجم عن جرثومة معيَّنة. استحصل في مختبره على لوثاتٍ منها لزرعها وحقَنَ بها طيورًا داجنة، راحت تمرض لكنها لا تموت، ثم تشفى لاحقًا. عندئذٍ، اكتشف سر التلقيح “المخفَّف”، وسنة 1881 أَطلق مبدأَ التلقيح الحيواني على أَنه: “حقْنة جراثيم مخفَّفة لا تُميت، بل تُوقِع في مرض عابر يَقي مسْبَقًا من المرض القاتل”.

ﭘـاستور مُنقذ البشرية

بعد اختبارات عدَّة على الحيوانات ضد مرض “الجمرة الخبيثة”، وجَّه اختباراته إِلى البشر، مستنْبطًا لَقاحًا ضد الكَلَب، فراح يأْخذ خزعات من أَدمغة حيوانات ماتت بالكَلَب، حتى تمكَّن باللَقاح من فصل المنطقة المصابة في الجسم عن باقي الجسم البشري، ما ينقذ حياة المصاب إِذ يقع في المرض ثم يشفى. واختبر ذلك على راعٍ عضَّه كلْب مصابٌ بالكلَب.

سنة 1885 أَطلق أَولَ لَقاح بشري ذي جرثومة “مخفَّفة”. وانتشر الخبر فتعمَّم في العالم وأَخذ الناس يِخضعون للتلقيح تجنُّبًا ومناعةً ضد الوقوع في المرض القاتل.

عندئذ أَنشأَ ﭘـاستور مؤسسة لهذا الهدف الجرثومي، تَخرَّج منها عُلماء راحوا يطوِّرون اللَقاحات ضد الأَمراض، على خطى “مُعلِّمهم” لويس. ومن اختبار إِلى اختبار، أَخذَت تنجلي أَسرارُ مناعة الأَجسام ضد الأَمراض، وأَخذت تتكاثر اللَقاحات ومشتقَّاتها وعناصرُها ومكوِّناتُها، فتلافت البشرية موتًا كثيرًا حيال أَمراض وأَوبئة كثيرة.

ومع ستينات القرن الماضي بات اللَقاح السنوي دُرجة عادية لدى جميع الشعوب، تلافيًا مسْبقًا وقوعَ الناس في أَمراض قاتلة.

وحديثًا بات الحمْض النووي أَفضلَ السبُل وأَسرعَها إِلى التشخيص ووصْف الدواء أَو اللَقاح أَو وسائل مناعية هي من أَصل الجرثومة ذاتها حتى تقتل الجراثيم التي تصيب الجسم من فصيلة تلك الأَمراض الوبائية ذاتها.

من الجدري إِلى الكورونا

هكذا “الـمَتْـردَة” أَفضَت إِلى اللَقاح، وباتت اللاقحة أَقوى من الجائحة، وبالعلْم انتصر الإِنسان على وحش المرض القاتل.

اليوم، ووباء الكورونا يجتاح العالم، لا بُدَّ من مختبرٍ جديد، من “ﭘـاستور” جديد، يجترح فصيلةَ لَقاحٍ من جرثومة الكورونا ذاتها، يَحقن به الناس في كل الكوكب، فإِذا هجمت جرثومةُ الكورونا على جسمٍ، وجدتْهُ منيعًا ضدَّها بجرثومة من فصيلتها ذاتها، فترتدع خائبةً من أَن تقضي على هذا الإِنسان العظيم الذي ما إِن يصيبه وباء فتَّاك حتى يقتل الوباء بلَقاح فتَّاك من فصيلته.

كلام الصُور

  • الملك ميتريدات رائد الـ”مَتْرَدَة”.
  • رواية “مونت كريستو” المبنيَّة على الـ”مَتْرَدَة”.
  • الطبيب إِدوارد جـيْـنِـر: رائد التلقيح.
  • العالِم لويس ﭘـاستور مطوِّر اللَقاح.

ممنوع التعليق