اليونسكو حافظةُ الإِرث في ذاكرة العالم
النهار العربي (15) – الثلثاء 22 كانون الأول 2020

هنري زغيب

          تتعدَّد تعريفات التراث، وتبقى أَبلغَها كلمةٌ واحدة: الذاكرة. وكما في فقدانها انهيارُ الشخص فالشخصية فالكيان، كذا في فقدانها انهيارُ ماضي الأُمم وتاليًا جسر تقدُّمها في كيان التاريخ.

          من هنا أَهميةُ تَوَلّي منظمة اليونسكو هذه المهمةَ الجلّى باعتمادها سنة 1989 توصية “الحفاظ على التراث التقليدي والشعبي في البلدان وصونه من الاندثار”، ومن هنا إِطلاقُها سنة 2001 شرعة “الإِعلان العالمي للتنوُّع الثقافي”، متعهَّدةً دُربةَ التمييز بين التراث الثقافي التاريخي والأَثري المادي والطبيعي (معالِم، أَماكن، محفوظات مادية قديمة، …) والتراث الثقافي غير المادي. وإِذ رأَت إِلى هذا الأَخير أَنه “قالبُ التنوُّع الثقافي وضامنُ الإِنماء المستدام”، اعتَمدَتْه جناحًا مستقلًّا في اهتماماتها، وأَقرَّت له شرعةً خاصة خلال الدورة الثانية والثلاثين (19 أَيلول/سـﭙـتمبر – 17 تشرين الأَول/أُكتوبر) من جمعيتها العمومية سنة 2003 في مقرها الرئيس (ﭘـاريس) بموافقة 167 دولة.

          هكذا باتت لـ”التراث الثقافي غير المادي” شخصيةٌ مستقلَّة ذات إِطار واسع ومضامينَ متعددة، في لائحة تتزايد كل عام مسجِّلةً أَسماءَ وتواريخ ومعالم وتظاهراتٍ وأَعلامًا ومناسباتٍ، لـحفظ الإِرث وسْعَ آفاقه اللامحدودة، من الإِبداعي – كالاحتفال السنوي بــ”يوم العروس” احتفاءً باستذكار وفاة جلال الدين الرومي (1207- 1273) في مدينة قونية التركية (جنوبي الأَناضول) – إِلى الاحتفال بيوم المآكل التقليدية أَو الأَزياء الشعبية في عدد من بلدان العالم.

          التعريف أُمميًّا

          ما “التراث الثقافي غير المادي”؟ تعرِّف به منظمة اليونسكو أَنه “مجموع التقاليد الشفوية والعادات والتعابير والمرويات والأَزجال والحكايات والفنون الشعبية والممارسات والطقوس والأَحداث والاحتفالات الاجتماعية والـمَعارف والـمَدارك والتعامل مع الطبيعة والمحيط ومزاولة الحِرَفيات اليدوية التقليدية، وسائر الظواهر الشفوية المتوارَثة من الأَجيال السابقة إِلى الأَجيال الحالية”.

وتعتبر اليونسكو أَن التراث الثقافي غير المادي “عاملٌ أَوَّلُ في تماسُك التنوُّع الثقافي وتحصينه من تنامي العولمة” وترى أَن “نشْر مظاهره على المجتمعات المختلفة في العالم عاملٌ ضروري للحوار الثقافي بين المجتمعات، يشجع احترامَ مجتمعٍ أَنماطَ الحياة في المجتمعات الأُخرى” وأَن ظاهرة هذا التراث الثقافي “تلغي الفوارق بين الشعوب بكونها تراثًا لامادّيًّا لأَكثرَ من شعب في أَكثرَ من دولة”. وتخلص اليونسكو إِلى أَن “أَهميته ليست في مجرَّد مظاهره وتظاهراته بل في غنى معارفَ ومداركَ ينقلها جيلٌ إِلى التالي في عملية متوارَثة ذات قيمة اجتماعية واقتصادية لدى دول في طور النمو كما لدى الدول النامية”.

          وكان لبنان غنِمَ من هذا التراث المادي لدى اليونسكو، إِذ دخلَت خمسة مواقع فيه سنة 1984 على لائحة التراث العالمي (عنجر، بعلبك، بيبلوس، صور، وادي قاديشا). ومن التراث العالمي الشفوي انضمَّ الزجل اللبناني سنة 2014 إِلى لائحة “تُراثِ البشريَّة الثقافيّ غيرِ الماديّ” فدخل بذلك ذاكرةَ العالَم، أَوَّلَ عنصرٍ لبنانيٍّ يَدخُل هذه “اللائحة” العالـميّة تراثًا لبنانيًا عريقًا.

          وتُضيف اليونسكو كل عام مجموعة جديدة لظواهر ثقافية غير مادية في دول مختلفة من العالم. وفي الدورة الأَخيرة (الخامسة عشْرة: 16 كانون الأَول/ديسمبر الحالي) إِبَّان انعقاد “اللجنة الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي”، أُضيفت إِلى لائحة العام الماضي 35 ظاهرة جديدة غير مادية لسنة 2020.

اللائحة عالميًّا…

بين الظواهر العالمية الـمُضافة لهذا العام: من فنلندا الصونا التقليدية، وهي ظاهرة اجتماعية قديمة في تلك البلاد منذ آلاف السنين، يزاولها نحو 3 ملايين فنلندي من أَصل سكانها الخمسة ملايين، بمعدَّل مواطن مرة في الأُسبوع على الأَقل. وهو تقليدٌ شعبيٌّ في حياة الفنلنديين اليومية في بيوتهم أَو في حمَّامات عامة. وهم لا يعتبرون الصونا مجرد استحمام فقط بل غسل الجسد والفكر وبلوغ السلام الداخلي.

من مالطة اختارت اليونسكو فن صُنع خميرة العجين (الفطيرة)، ومن زامبيا اختارت ظاهرة “البوديما” وهي رقصة المحاربين يزاولها الزامبيون طوال السنة في احتفالات ومناسبات وطنية.

ومن البوسنة اختارت عملية جَزّ العشب في مدينة كوﭘْـرِس التي تشهد أبرز حدث سنوي كل أَول أَحد من تموز (يوليو): مباراة في مرج سْتْريانِكا، يفوز بها الأَسرعُ في جَــزّ أَكبر كمية عشب أَخضر متطاول عاليًا في ذاك المرج الواسع، بـمنجل تقليدي خاص بأَقل وقت وأَكبر جهد وأَكثر عدد من جذوع الأَعشاب، ما يتطلب قوة ذراعَين ومهارة خاصة. وهو تقليد شعبي يتوارثه الأَبناء عن آبائهم.

من إِيطاليا اختارت اليونسكو ظاهرة النفخ في قرن الصيد، وهي بدأت في فرنسا ثم انتقلت إِلى شمال إِيطاليا فنًّا شعبيًّا تقليديًّا. ومن البندقية اختير فنٌّ يدويٌّ جميل متوارَث منذ القرن الرابع عشر: صناعة الكُرات والسُبحات والحلقات الزجاجية. اشتهرت به مجموع جُزَيرات مورانو (البندقية) بأَفران زجاج منفوخ يُصنِّع منه الحرفيون أَشكالًا كثيرة.

… وعربيًّا

من الدول العربية اختارت اليونسكو بين فنون المآكل الشعبية: وجبة “الكوسْكوس” الأَفريقية التقليدية، وهي طبق شعبي مغاربي (دول المغرب العربي) من أَصول أَمازيغية (قدامى سكان شمال أَفريقيا). ولا يغيب الطبق عن موائدهم ومناسباتهم، لبراعة صنعه وتحضيره من طحين القمح أَو الذرة، يتم إِعداده وتحويله حُبَيبات صغيرة تُطبخ بالبخار وتضاف إِليها أَصناف اللحم أَو الخُضَر أَو الحليب أَو الزبدة والسُكَّر الناعم ويقدَّم بالمرق أَو باللبن أَو بدونهما. وهو شائع أَيضًا في جزيرة صقلية الإِيطالية وحتى في فرنسا ممثِّلًا ثاني أَكلة مفضلة لدى الفرنسيين.

من المملكة العربية السعودية والكويت اختارت اليونسكو حرفة السَدُو: نسيج تقليدي بدوي تراثي يستخدمه الحرفيون بـوبر الجمل أَو شعر الماعز أَو صوف الغنم ليحوكوا خيمةً (بيت الشَعر) تقي صيفًا من حرارة الشمس ومن البرد في ليالي الصحراء.

ومن الإِمارات العربية: نظام الأَفلاج القديم جدًّا، ومهمٌّ في حياة مزارعين يسكنون عند مجاري المياه والمسطحات المائية، يتطلَّبُ مهارة الحفر لبلوغ المياه الجوفية الصافية وإِخراجها من باطن الأَرض وجرّها بطُرق بدائية إِنما متينة في قنواتٍ توزِّع المياه على البيوت والأَراضي الزراعية لـريّ النباتات والأَشجار المثمرة، عبر إِسالة الماء تحت الأَرض من أَمكنة أَعلى من المنطقة المقصودة، فيتأَمَّن الريُّ الدائم المتواصل.

ومن تونس حرفة “الشرفية”: وسيلة صيد تقليدية بتشكيل مصائد ثابتة في البحر تبنى بسعف النخيل. وهي من أَقدم وسائل الصيد البحري التقليدي اشتهرت بها جزر قرقنة التونسية (ساحل البلاد الشرقي) منذ عهود سحيقة القدم.

ومن الحِرَف المهدَّدة بالزوال وضرورة العمل على إِنقاذها اختارت اليونسكو حرفة النَول في صعيد مصر: مهنة قديمة معقَّدة تستلزم الصبر والوقت والجهد والمهارة، بين تركيب النول وإِدراج الخيطان في مفاصله المتعددة المتشعبة ثم الحياكة، في عمل دقيق تلزمه حذاقة وبراعة.

هذا النول الحائك العادي للنسج، يقابله النول الفني في بلدة زوق مكايل اللبنانية، وهذه المهنة فيها ما زالت ناهضة، ولها في سوقها العتيق عددٌ من الأَنوال العاملة باستمرار، ومدرسة خاصة لتعليم حياكةِ النول الأَجيال الشابةَ هذه الحرفة التقليدية، و”متحف النول” الفريد الذي يضم منسوجات قديمة على النول بأَيدي حائكين زوقيين، يَرقى بعضها إِلى سنة 1920، ما يجعلها تحتفل بمئويتها قبل انتهاء هذا العام. فعسى تهيِّئُ البلدية ملفًّا للنول الفني فيها تَرفعه إِلى منظمة اليونسكو فيَدخل النَول الزوقي اللبناني إِلى لائحة “تُراثِ البشريَّة الثقافيّ غيرِ الماديّ”.

بلى: أَبلغُ تعريف بالتراث أَنه ذاكرة. ويا تعس بلاد لا تحفظ تراثها فتفقد ذاكرتها وينهار ماضيها ويسقط جسر تقدُّمها في كيان التاريخ.

كلام الصوَر

من فنلندا: حمَّام الصونا

من زامبيا: رقصة بوديما

من مالطة: خمير العجين

من  البوسنة: جَــزُّ العشب

من الخليج: حياكة السَدو

من الإِمارات: نظام الأَفلاج

من مصر: حِـرفةُ النَول

من المغرب: طبق الكُوسْكُوس

ممنوع التعليق