النهار العربي (4) “الناشئة” المجهولة: منصة التَوَاصل قبل 100 عام – الجمعة 13 تشرين الثاني 2020

هنري زغيب

من “أَفضال” هذا العصر الإِلكتروني أَن نَنْعم عن بُعْدٍ بما كان يكلِّفنا مسافاتٍ وجهدًا وساعاتٍ وجلساتٍ طويلة كي نبلغ مكتبة (أَو أَكثر) ونبحثَ فيها بين مئات الصفحات كي نقطف معلومةً أَو نصًّا أَو كتابًا أَو بعضَ كتاب.

اليوم باتت المكتبة لا في متناول يدنا وحسْب، بل عند أَطراف أَصابعنا على مكابس الكومـﭙـيوتر أَمامنا، أَو مكابس الهاتف الجوَّال في قبضة يدنا.

القراءة للجميع “هدية للإِنسانية”

          إِسداءً هذه الخدمةَ المجانية أَطلقَت منظمة الأُونسكو قبل 11 سنة، إِبان جمعيَّتها العامة الرابعة والثلاثين (ﭘـاريس 2009)، منصةَ “المكتبة الرقمية العالمية” إِثر اتفاق كان وقَّعه نهار الأَربعاء 17 تشرين الأَول 2007 عن المنظمة نائبُ المدير العام عبدالوحيد خان، وعن مكتبة الكونغرس مديرُها في واشنطن جيمس هادلي بِلِنْغْتون. وفي مقدمة الاتفاق أَن “منظمة الأُونسكو تقدِّم هذه المكتبة الرقمية المجانية على شبكة الإِنترنت هدية للإِنسانية، وهي تضمُّ القديم والحديث من عشرات آلاف البطاقات والنصوص والكتب والمجلَّات والصوَر والتسجيلات الصوتية والأَفلام الوثائقية ودليلًا عامًّا إِلى المكتبات العامة والمواقع الثقافية في العالم”.

دخل الاتفاق مرحلة التنفيذ نهار الثلثاء 21 نيسان 2009. ومن يومها انفتحَت المنصة مجانيةً للجميع، في سبع لغات (الإِنكليزية، الفرنسية، العربية، الصينية، الإِسـﭙـانية، الـﭙـرتغالية، الروسية)، وبمشاركة 32 مكتبة وطنية ومؤَسسة ثقافية تربوي من 19 دولة بينها فرنسا، الولايات المتحدة، المكسيك، المملكة المتحدة، المملكة العربية السعودية، مصر، المغرب، قطر، والعراق.

          أَبدأُ منها الآن بالعراق. أَفتح صفحته على منصة “المكتبة الرقمية” فأَجد – بين ما وصَلَها من متحف بغداد – مجلة شهرية مغمورة لم يصدر منها سوى ثلاثة أَعداد شهرية، ثم احتجبَت بعدها نهائيًّا.

          إِنها “الناشئة”، أَنشأَها ابرهيم صالح شكر “مجلة شهرية جامعة”، تولَّى حسين البياتي رئاسة تحريرها، وصدر عددها الأَول في 2 كانون الأَول 1921.

          في تلك الفترة كان العراق خرج من ذيول الحرب العالمية الأُولى بعد انهيار الأَمبراطورية العثمانية، وتولَّت شؤُونَه “عصبةُ الأَمم” بإِدارة بريطانيا، إِلى أَن انتظم فيه نظامُ الملَكية، ونال استقلاله من الانتداب البريطاني سنة 1932.

“الناشئة”     

في تلك الأَجواء الشاهدة على مطالع الملَكية، ظهرَت “الناشئة” تعلن أَنها مجلة تَصدر مؤَديةً دورَها في نهضة البلاد، عبر مواضيع أَدبية وعلْمية وفنية وفلسفية وتاريخية وأَحدث الاكتشافات والأَحداث في العالم. وكانت في كل عدد تقطف نصوصًا أَدبية وعلْمية تعرِّبُها عن الصحافة الأَميركية. ومع أَنها لم تتخلَّ عن التراث العربي، حفلَت صفحاتها بطائفةٍ عالمية واسعة كي تنقل إِلى القارئ العربي هواءً تثقيفيًّا منوَّعًا من الغرب. وحملت صفحاتها أَسماء باهرة كانت عهدئذٍ تستقطب القراء إِلى أَصحابها، بينهم العراقي جميل صدقي الزهاوي، المصريان ولي الدين يكن ومصطفى لطفي المنفلوطي، واللبناني جبران خليل جبران. وعدا المقالات الكاملة، خصصَت المجلة في كل عددٍ بضع صفحات لــ”شذرات” من الأَقوال والعبارات والاستشهادات والأَبيات الشعرية، تطريزًا مفيدًا وتسهيلًا حفْظَها كي يفيد منها القراء.

          وعلى صورة ما كانتْه الصحافة الغربية عندئذ، خصصت المجلة صفحات للرياضة وأَعلامها، ما لم يكن مأْلوفًا في سائر المجلات والصحف العربية إِلَّا جزئيًا وبشكل ثانوي.

في افتتاحية العدد الأَول أَنَّ “الفكرة الباعثة إِلى إِنشاء هذه المجلة إِنما هي خدمة الناشئة الجديدة بكل ما يُفيد نشْرُه ويَحسُن ذكره من مقالات اجتماعية وفوائد تهذيبية وفنون جديدة وشؤُون مفيدة، وغير ذلك من العبَر والعظات وآداب السلوك والشوارد والشذرات ولطائف الشعراء ولقطات ومواد تاريخية ورياض الأَدب ومتفرقات أَدبية، لعلْمنا أَن بلادنا، وهي في أَول نشأَتها، بحاجة إِلى مثل هذه المباحث التي تزيد في تربية العقول وتغذية النفوس وتنمية العواطف (…). وإِنما نحن نعمل بكل ما فينا من قوة، وما في يراعنا من مادة، على أَن نتقدَّم في التحسين بطريقة النشوء والارتقاء، وهي أَمثَل طريقة عرفَها العلْم حتى اليوم (…). نعمل ذلك، ونجتهد بأَن نعمل أَكثر من ذلك، لنبرهن بأَننا أَحياء يجب أَن نتقدَّم. والذي لا يتقدَّم في عمله لا نصدِّق أَنه حيّ، لأَن عدم التقدُّم هو موت”.

نبذة

هكذا انطلقَت المجلة بقياس كتاب (14X20 سنتم) في 48 صفحة لكل عدد، على مطبعة “دار السلام” – بغداد.

العدد الأَول (“الجزء الأَول – المجلَّد الأَول” كما على غلافه) صدَر في “1 ربيع الثاني 1340 الموافق 2 (دسمبر) كانون الأَول 1921”. ومن أَبرز مواد العدد: باب “روض الشعر” وفيه قصيدة “على قبر ابنتها” وهي “لحضرة فيلسوف العراق وشاعر العرب جميل صدقي الزهاوي”، وقصيدة “عسى تنفع الشكوى” وهي “لحضرة الشاعر الكبير الشيخ محمد رضا الشبيبي”. وفي باب “من حقول الغرب” قصيدة “أُنشودة الريح الغربية” وهي “مترجَمة عن الشاعر الإِنكليزي الكبير شِلي بقلم الأَديب البارع عبد المسيح أَفندي وزير”، وأَبواب أُخرى مثل “نماذج من أَغلاط الشعراء”، و”أَلواح العبَر”، و”شوارد وشذرات”، وختامًا “فكاهات”. وحمل العدد على الصفحتين 8 و 9 مقطوعة “الشعر والشعراء” وهي “لحضرة الكاتب المتفنَّن جبران خليل جبران” مع حاشية أَنها “نُشرت في مجلتنا “الرياحين” عام 1913″ ما يعني أَنْ كانت للناشر، قبل 8 سنوات، تلك المجلة التي احتجبَت. ومقطوعة جبران هذه، كانت صدَرت قبلذاك بعنوان “شعراء المهجر” ضمن مجموعته “دمعة وابتسامة” في طبعتها الأُولى (عن “مطبعة أَتلنتيك” – نيويورك – 1914).

العدد الثاني (“الجزء الثاني – الأَحد – المجلَّد الأَول” كما على غلافه) صدر في “2 جمادى الأَول 1340 الموافق 1 (يناير) كانون الثاني 1922”. ويكمل الترقيم عن العدد السابق فيبدأُ صفحة 49. ومما فيه: “كلمة في الانتباه” وهي “شذرات من خطبة فلسفية أَلقاها حضرة الأَديب الفاضل القس حنا رحماني في نادي التهذيب في الموصل بموضوع المنطق”. ثم قصة “البائسة” بقلم سلمان الشيخ داود، وفي باب “روض الشعر” قصيدة “شهقات” لجميل صدقي الزهاوي، وفي باب “العقْد المنظوم” مختارات شعرية من ابرهيم اليازجي وخليل مطران وحليم دموس  وأَديب اسحق، وباب “في حقول الغرب”، وباب “زهور برية”، ومقتطفات “مجاني الأَدب” من  ابرهيم اليازجي ومي زيادة، وباب “أَلواح العبَر”، وباب “لطائف الشعراء” وفيه أَبيات من شبلي ملَّاط وبشارة الخوري، وباب “خواطر الشهر”. وعلى الصفحة 62 مقطوعة “الجمال” لجبران خليل جبران، وفي أَسفل الصفحة حاشيةُ أَنها مأْخوذة من مجلة “الدليل” الأَميركية سنة 1914. وهذا النص كان كذلك صدر قبلذاك بعنوان “أُغنية الجمال” بين مقطوعات قصيرة بعنوان “أَغاني” في كتاب جبران “دمعة وابتسامة” (نيويورك – 1914).

العدد الثالث (“الجزء الثالث – الأَربعاء – المجلَّد الأَول” كما على غلافه) صدر في “4 جمادى الآخرة 1340 الموافق 11 (فبراير) شباط 1922. ومما فيه: “كلمات كبيرة للإِمام علي”، قصيدة “حسرات” وهي “للأُستاذ الزهاوي”، “عزَّة النفس” وهي أَبيات للجرجاني، “زهور برية” لرفائيل أَفندي بطي، ومقطوعة “الجندي مودعًا” وهي “بقلم المرحوم ولي الدين يكن”، ومقطوعة “الانتقاد” وهي “بقلم  مصطفى لطفي المنفلوطي”، وباب “في حقول الغرب” ومنه “الحسناء النائمة” وهي “مترجمة عن برِدْج الشاعر الإِنكليزي بقلم الأَديب البارع عبد المسيح أَفندي وزير”. وعلى الصفحة 137 مقطوعة “رؤْيا” وهي “لجبران أَفندي جبران” مع حاشية لها بأَنها “نُشرت في مجلة “العرفان” الأَميركية سنة 1914″. وكانت صدرت بالعنوان ذاته في مجموعة جبران “دمعة وابتسامة”.

منصة زمانها

احتجبَت “الناشئة” بعد عددها الثالث، وفي أَعدادها ما يشير إلى دور الصحافة، كما إِلى قاموس اللغة الصحافية في النصف الأَول من القرن الماضي.

وهي سعَت إِلى أَن يكون أَثَرُها ذا فاعلية في زمانها. فقبل أَن يَعرف المجتمعُ العربي انتشارَ وسائل الإِعلام المسموعة، لم تكن لديه سوى الصحف والمجلَّات يقرأُها، ينتظرها، يُفيد منها مصدرًا وحيدًا للتثقُّف والتوعية، وفي السياق أَيضًا للترفيه والتسلية. لذا كانت المجلات العربية فترتئذٍ تحفل بشذرات مترجَمة من الآداب الغربية، مقالاتٍ أَو دراساتٍ أَو تلخيصَ مؤَلفاتٍ أَو معلومات طبية وإِرشادية وتربوية وأَخلاقية، تفتح للقارئ نوافذَ معرفية غنية وضرورية في آن.

وهو هذا ما تعهَّدتْه “الناشئة” لقرائها في تلك الفترة التحوُّلية من تاريخ بلادها. ولذا تلقَّفَها قراؤُها بما يشير، من خلال صفحاتها، إِلى وضع المجتمع وما حقَّقَتْ له المنصات الورقية الوحيدة قبل مئة عام.

 

كلام الصور

غلاف العدد الأَوَّل

غلاف العدد الثاني

غلاف العدد الثالث

مقطوعة جبران في العدد الأَوّل

ممنوع التعليق