“أزرار” – الحلقة 1106″
مِن فِلْسَي الأَرملة حتى الاستشهاد
“النـهار”  –  السبت 19 تشرين الأَوَّل  2019

         عن وكالة الصحافة الفرنسية: التبرُّعات لـترميم كنيسة نوتردام في ﭘـاريس بلغَت هذا الأُسبوع 104 ملايين يورو من نحو 350،000  متبرع. أَي: في ما لا يزيد عن ستة أَشهر (منذ كارثة الحريق في 15 نيسان الماضي) زاد الرقم عن مئة مليون يورو نَـجدةً هذا الـمَعْلمَ الفرنسيَّ العريق منذ القرون الوسطى.

         بالمقابل، بعد الكارثة الفاجعة في كلِّ لبنان، رؤَساءُ بلديات متضررة من الحرائق عقدوا هذا الأُسبوع في المجلس الاقتصادي والاجتماعي اجتماعًا مع جمعيّة الصناعيين وجمعية تجار بيروت، لــ”بَـحث مساهمات يقدِّمها القطاع الخاص للقطاع العام” مساعَدَةً على إِعادة الأَحراج من تفحُّمها، وعودة البيوت إِلى أَصحابها، وتأْمين سيارات إِطفاء لاتحادات البلديات، والبدء بحملات توعية استباقية توقِظ الدولة من بكائِها ونحيبها وتفجُّعها استلحاقيًّا بعد كل كارثة يقع فيها الوطن بين حريق وغريق.

         النتيجة؟ تقديمُ تجار بيروت “بعضَ البدَلات والرفوش” مساهمةً من الجمعية التي أَعلن رئيسُها أَلَّا يتوقَّع منها المجتمعون كثيرًا “بسبب وضعها الاقتصادي والمالي”.

         صحيح؟ إِذا جمعية تجار العاصمة “تَنُوح” على وضعها أَمام كارثة وطنية صاعقة، فماذا يتوقع المتضرِّرون، أَفرادًا أَو بلديات، من جمعيات أُخرى متواضعة في البلاد؟

         إِنه الغضب الوطني العام في نفوس شعب فَقَدَ الثقة بسُلْطته وحكَّامه وما عاد يصدِّق تصاريحهم ووعودهم و”نضالهم” لخدمة “المواطنين الأَعزاء”، بينما الثقة المعدومة تَغلي في قلب كل مواطن وتُنْذر ببركان غضب بدأَ غليانه بالانفجار في وجوه جميع مَن يدَّعون الحكْم والمسؤُولية وتمثيل الشعب.

         بدلات ورفوش؟ هذه مساعدات تجار العاصمة؟ كيف يتشبَّث المواطن بأَرضه حين يرى المسؤُولين عنه يتفجَّعون مثله عند وقوع الكارثة، ويتقاذفون تهمة المسؤُولية حتى لَيَخرج الواحد منهم بريئًا يستحقُّ الشفقة فيما شتيمةُ اللعنة قليلة عليه.

         وفيما كان المسؤُولون يتباكون على ما حصل، كانت في بتاتر زوجةٌ مفجوعةٌ تبكي زوجَها الشهم الذي اندفع بإِيمانه يُسعف في إِخماد الحرائق فخَنَقَه دخانُها وهوى في ربيع شبابه بينما أَترابه في المناطق، واصلين الليل بالنهار، يندفعون لـمساعدة رجال الإِطفاء والدفاع المدني في عطاء مواطني منْقِذ مُشَرِّف، بوسائل فردية ضئيلة قوَّتُـها في إِيمان الشعب بالعطاء، والمساعدة ولو بالقليل.

         في إِنجيل لوقا (الإِصحاح 12) حَذَّرَ يسوع “مِـمَّن يأْكلون خبز الأَرامل ويُطيلون الصلوات”، وجلس يتابع الجمْع يرمون نحاسًا في الخزانة. راح الأَغنياء يُلْقون كثيرًا، إِلَّا أَرملة فقيرة جاءت فأَلقت فِلْسَيْن قيمتُهما رُبْعٌ، فقال يسوع لتلامذته: “هذه الأَرملة أَلقَت أَكثر مِن جميع مَن وضعوا في الخزانة لأَنهم أَلْقوا من فَضَلاتهم بينما هي من عَوَزِ معيشتها أَلْقت كلَّ ما عندَها”.

         هكذا أَصدقُ العَطاء: من القِلَّة لا من الفضَلات.

         وهكذا عَطاءُ مَن اندفعوا لإِطفاءِ الحرائق: دفَعوا مِن عَوَزِهم كلَّ ما عندهم، حتى… شرف الاستشهاد.

         هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق