“نقطة على الحرف” – الحلقة 1432
كي لا ترحلَ عنَّا ساجعات البجَع
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَد 6 تشرين الأَوَّل 2019

         نُقطةٌ بيضاء.

         نُقطةٌ بيضاءُ وسْط حيِّزٍ مائيٍّ، في فيلمٍ قصير.

         تقترب النقطةُ البيضاء. تكبَر النقطة، تصغَر مساحة المياه.

         تقتربُ أَكثرَ بعد. تُصبح نِقاطًا بِيضًا تتحرَّك، فيتبيَّن أَنَّ هذه النقاطَ مجموعةٌ من رفِّ بَـجَع يستريح عندنا وهو في ترحال هُجْرته السنوية إِلى الشرق. ويكون أَنه اختار استراحتَه على كفِّ بحيرة القرعون.

         ها هي البجَعات البيض، هادئةٌ هانئةٌ عندنا، في منظر جميل بعيد عن زبائل مـجاري الليطاني على بُعْد رفَّة جناح.

         في التعريف أَنَّ البجَع الأَبيض يأْتي في الخريف من صقيع أُوروﭘــا إِلى دفْءِ أَفريقيا والشرق الأَوسط، يـُمضي أَشهُرًا في الـمُهاجَرَة والتحليق رُفُوفًا رُفُوفًا متضامنةً متجانـحةً كاملةَ النَسَق الـجميل إِلَّا… إِذا امتدَّت يدٌ قاتلةٌ على زنادٍ في مِتعةِ صيدٍ قهَّارةٍ تُسْقِطُ البجَعات فتَسقُطُ معها شهقاتٌ جريـحةٌ من هُجرة البجَع.

         نُقطةٌ بيضاءُ وسْط حيِّزٍ مائيّ… لَطَفَ الله أَنَّ البجَع لا يتأَثَّر بالرائحة وإِلَّا لكان هَجَّ من جِيرة الليطاني الذي يَنتِنُ من كثرةِ ما تتقيَّأُ فيه نفاياتٌ تعجَز الدولة حتى اليوم عن معالَـجـتها لأَن معظم مُسبِّــبــيــها هم من الأَزلام والـمحاسيب، ولأَنهم سلطةُ الظِل في سُلطة الزعماء الذين يجدون سلطتهم تَقوى بمقدار ما تتَّسع أَعداد مـحاسيبهم.

         نُقطةٌ بيضاءُ وسْط حيِّزٍ مائيّ… لَطَفَ الله أَن البجَع لا يَـحدِس سلَفًا بَتَرَقُّب الصيَّادين مواسمَ صيدٍ لا تخضعُ عندنا للمواسم بل هي مفتوحةٌ جميعَ أَشهر السنَة لِـهواة الصَيد بلا وازع.

         نِقاطٌ بِيضٌ وسْط بحيرة القرعون… لَطَفَ الله أَن تشايكوﭬـسكي، حين أَبدع باليه “بحيرة البجَع” سنة 1875، كان بعيدًا عن روافد الليطاني وعن مواسم الصيد في لبنان، حتى جاءَت رائعتُهُ، بفصولها الأَربعة، مرتاحةَ الرفرفات بأَجساد صبايا يُهَنْدِسْنَ إِيقاعَهُنَّ على سـمفونيا لا يَشُوبُ بياضَها سوادُ نقطةٍ تُعكِّره ولا تُفسدُه رائحةٌ مُنْتِنَة.

         نِقاطٌ بيضٌ وسْط بحيرة القرعون… بَـجَعات ساجعاتٌ هبطْنَ من سَمائِنا إِلى مياهنا، على أَملِ أَلَّا تَـمتدَّ إِلى جمالِـهِنَّ الأَبيضِ طلْقةٌ سوداءُ تُـهَرِّبُـهُنَّ مذعوراتٍ لا إِلى رجوع، فيَهجُرْنَ جمال لبنان، ويرحل عنَّا سجعُهُنَّ، فتعودُ إِلى البال أَبياتُ أَحمد رامي في “القصر المهجور”:

        رحَلَتْ عنكَ ساجعاتُ الطيُورِ     وَذوَت فيكَ يانعاتُ الزُهُور

        ماتَ فيك الهوى وضاعَت أَمانٍ    كُنَّ أَحلى من ابتسامِ الثُغُور

        فَسَرَت فيكَ وَحشةٌ مثلما          خيَّمَ حزني على فُؤَادي الكبيرِ

         نِقاط بِيضٌ في بحيرة القرعون…

         أَلَا لِـيَلطُفِ الله أَن تكون سمانا بعيدةً عن الحزن والوَحشة والـهِجران، حتى تظلَّ مسرحًا فَضائيًّا آمنًا للنِقاط البيض، وتظلَّ البحيرةُ واحةً مائيةً نظيفةً تستريحُ فيها الطيورُ الـمُهاجرة، فتبقى سَـمانا ومياهُنا نَقيَّتَين من الغيوم السُود ومن كلِّ ما يُكَدِّر، في استراحتها، جـميلاتِ البجَع.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق