هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

“أَزرار” – الحلقة 1089
“… على أَن تكون نهاية القصة سعيدة”
“النهار” – السبت 22 حزيران 2019

         في ملحق “الفيغارو” الطُلَّابي هذا الأُسبوع موضوعٌ رئيسٌ عن انفعالات طلَّاب البَكَلُوريا الذين، عند خُروجهم من مسابقة الأَدب، اكتشفوا أَنَّ أندريه شديد “هي امرأَة”، بعدما أَجاب بعضُهم عن أَسئلة الـمسابقة بصيغة “هو” لا “هي”، مع أَن كتابة اسمها بالفرنسية (Andrée) لا تترك أَيَّ إِشكال.

         إِنه تسطيح الثقافة في المدارس، وغيابُ أَسئلةٍ تسهِّل انفتاح التلامذة حيال أَعلام أَو أَعمال أَدبية تُغْـنـي معارفهم وتصقل ذوقهم الأَدبي، عوض مواجهتهم بأَسئلة تَزيد من جهلَهم وغربَــتِهم عن محيطهم، بدليل أَن أُولئك التلامذة يعرفون ابن أندريه شديد (الـمُغنّي لويس شديد) وحفيدَها الـمغني ماتيو، أَكثر مما يعرفون عنها، هي الشاعرة الكاتبة الروائية التي تركَت للأَدب الفرنسي نحو خمسين كتابًا نالت على بعضها جوائز عُليا.

         ومن تلامذة البَكَلُوريا في فرنسا إِلى تلامذة البرُﭬـيه (الشهادة الـمتوسطة) في لبنان، واجهَتْهُم قبل أَيامٍ مسابقةُ الأَدب في امتحانهم بأَسئلة خاطبَت ذاكرتَهم لا ذكاءَهم، ولا تمتحن كفاءَاتهم في أَجوبةٍ تشير إِلى مهاراتهم الذاتية. وإِذا النتيجة: أَجوبةٌ بَــبَّــغـاويةٌ مُستلَّة من بقايا ما في ذاكرتهم من معلوماتٍ بائدةٍ ضئيلةٍ لن يزيد من مكتسباتها الـمعرفية ما وَرَدَ في أَسئلة المسابقة: أَن يعرفوا “جنسية كاتب النص” أَو “الصُوَر البيانية في النص” أَو “تقطيع بيت الشعر تفعيلًا وبحرًا ورَوِيًّا وقافيةً” و”مشاعر التلميذ إِزاء مشهد رجل يضرب كلبه” (!؟)، أَو “اندفاع كلب الراعي ضدَّ اللصوص كي يُنقِذ الخراف” و”كتابة قصة (؟!) مبنيَّة على عناصر الكلب والراعي والخراف” مع الحرص “أَن تكون نهاية القصة سعيدة”.

         وإِلى هذه الأَسئلة الـمُتناهية التسطيح، غيرِ الـمُحفِّزةِ أَيَّ وترٍ من ذكاء التلميذ بل ذاكرتَه الـمَحشوَّة طيلة السنة الدراسية معلوماتٍ معظمُها غير مفيد، وربما لــ”تسهيل” المسابقة كي لا يستصعبها التلامذة فينجحوا، وَرَدَت في المسابقة أَسئلةٌ ساذجة يُـجيب عنها تلامذة الشهادة الابتدائية.

         الشاهد من كل هذا: حجمُ الغُربة الهائلُ بين التلامذة وما يتلقَّون في مناهجهم، دروسًا وكُتُبًا ومعلوماتٍ ليست قريبة من واقعهم، وتاليًا تبقى بعيدةً عن اهتماماتهم وفضول اكتشافها، هم القادرُون – بــ”الإِصبع الصغيرة” (وفق تعبير ميشال سِيْرّ Michel Serres) على مكابس الكومـﭙــيـوتر أَو الهاتف المحمول – أَن يقطفوا من “غوغل” أَو الــ”يوتيوب” معلوماتٍ دانيةً منهم يبدو معها كتابُهم المدرسي كأَنه من عصر آخَر.

         الجيل الجديد من أَولادنا بات يَسبح اليومَ في فضاءات بعيدة عن دفَّتَـي الكتاب، ويعانق فضاء العصر بِـمعلومات يُـحبُّها، تخاطب ذكاءَه، توسِّع آفاقه، تصقل كفاءاته، وتفتح ذهنه على أَنشطة رديفة لاصفِّية، تُشغِّل تفكيره فيظلّ يشتهي أَن يدرس وأَن يكتشف وأَن يتعلَّم ما يُفيدُه في الـحياة من دُرَبٍ معرفية هي التي تُبَلْوِرُ طاقاتِه ومواهبَه كي يكونَ عنصرًا مفيدًا، وربما مبدعًا، في محيطه ووطنه.

هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib