“نقطة على الحرف” – الحلقة 1415
نَــفِّــخْ عليـها… لا تنجَلِـي
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحـد 9 حزيران 2019

في قاموس اللغة، أَنَّ “اليأْفوخ”: “ملْتقى عَظْم مقدَّمِ الرأْس ومؤَخَّرِه”، أَي المنطقة التي فيها الدماغ، يعني منطقة التفكير.

وهكذا: لا أَعرفُ من أَيِّ يأْفوخٍ خرجَ قرار زيادة 1000 ليرة على كل رأْس أَركيلة، مساهَـمَةً “عبقريَّةً” في تنمية موارد الدولة.

بوركَ به هذا “اليأْفوخ العبقري” الذي، من شدة نرجسيَّته العبقرية لم يتنبَّه بعد إِلى تصنيف “لبنان في المرتبة الأُولى بين دوَل غرب آسيا في عدد الإِصابات بِـمرض السرطان قياساً بعدَد السُكان”، وَفْق التقرير الأَخير لـمُنظمة الصحة العالَـمية. وها هو وزير الصحة اللبناني – وهو الطبيبُ العارف – يَنقل عن دراسة “الوكالة الدولية لبحوث السرطان”  أَنَّ “تدخين نَفَس أَرَكيلة لِـمُدة ساعةٍ يُعادل 400 سيجارة تبث أَفاعي سَرَطانها في رئَتَي الـمُدَخِّن”.

وأَضاف بِـــثِــقَة الــمَسؤُول أَنَّ التدخين “يكلف وزارة الصحة سنويًّا نحو 200 مليون دولار لأَدوية الأَمراض المستعصية”، وأَنَّ “لبنان من أَوائِل الدُوَل في العالم في انتشار سرطان الـمَثانة والرئَـتَين والـمَريْء”.

أَمام كلُّ هذا، تَفَتَّقَتْ عبقرية “اليأْفوخ” لا أَن يَـمنع التدخيَن في الأَماكن العامة بل أَن يَزيد 1000 ليرة على كلّ نَفَس أَركيلة، والـمُدَخِّن عادةً يعطي الغُلام في الـمطعم أَضعاف الــ1000 ليرة حين يُشعِلُ له نَفَسَهُ ويُـحرِقُ نَفَسَهُ ويَـخْنُقُ نَفَسَهُ.

1000 ليرة؟ وكيف سيُحَصِّلُها اليأْفوخ من المطاعم؟ مَن سيُصَرِّح كَم نَفَسًا باع في النهار والليل؟ ومَن يَضْبُط الدَبابير الذين يُنَطْنِطُون يوميًا بين السيارات على درَّاجاتهم النارية حاملين النَفَس تِلْوَ النَفَس إِلى البيوت؟

هل فَكَّر اليأْفوخ في هذا؟

وما ذَنْبُ غيرِ الـمُدَخِّنين حين تعْجَز الدولة عن تطبيق قانونِ عدَمِ التدخين في الأَماكن العامة؟ أَيُّ دولةٍ هذه التي لا تستطيع تطبيق القانون؟ وأَيُّ دولةٍ هذه التي وُزَرَاؤُها ونُوَّابُـها يُـمارسُون التدخين في مكاتبِهم؟

200 مليون دولار سنويًا فاتورةُ الأَدوية من وزارة الصحة، تُـحصِّلُها بــالأَلف ليرة يا حضرة اليأْفوخ العبقريّ، عوضَ أَن تَزيدَ أَسعار علبة السجائر فتَحصدَ موردًا أَكيدًا لـخَزينة الدولة؟

 إِنَّ دولةً لا تستطيع مَنْع وزيرٍ من التدخين في مكتَبِه، ولا مَنْعَ أَيِّ مسؤُولٍ في الدولة من الالتزام بتطبيق القانون، هي دولةٌ عاجزةٌ عن تطبيق أَيِّ قانون، لأَنَّ كُلَّ مُـخالِفٍ فيها مَـحْمِيٌّ من زعيم عشيرته أَو قبيلته. من هنا أَنَّ الدولةَ هي الـمسؤُولةُ الوحيدة عن مَوت شعبها ضحيَّةَ التَلَوُّث، وعن بَقاء لبنانَ، طويلًا بَعْد، “في المرتبة الأُولى بين دُوَل غرب آسيا في عدَد الإِصابات بِـمَرَض السرطان”.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق