“نقطة على الحرف” – الحلقة 1413
الـمَـواردُ مَوجُودة والـهِمَمُ مَفْقُودة
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَـد 26 أَيَّار 2019

         ليس يكفي تَــغَــنِّــيــنـا بِـما في أَرضنا من كُنوزٍ تاريخيةٍ وأَثريةٍ وسياحيةٍ، ومعالـمَ ساحرةٍ نتفرَّدُ بها بين بلدان الآخَرين، إِن لم نَـحْفَظْ هذه الكنوزَ ونُـحَـافِظْ عليها إِرثًا نُـهديه الأَجيالَ الـمُقْبلة.

         وللحفْظ والحفَاظ ليس يَكفي الذِكْرُ والتذكَار، إِنْ لم نَعْمَدْ إِلى تأْهيل الموقع وتجهيزِه لتقديمه إِلى المواطنين والسيَّاح يقصدونه مُدركين الــ”كيف” والـ”مَن” والــ”لِـماذا” كي يتذوَّقوا بعيونهم طعم سنواتٍ أَهْدتْنا تلك الكنوز كي نعتزَّ بها اليوم مُدركينها مَيدانيًا لا نَظَريًّا وحسْب.

         أَقول هذا وأُفكِّر بِـمَوقِـعَين يَجمع بينهما التاريخ وتُفرِّق بينهما الجغرافيا: قناطرُ زُبيدة في نهر ابرهيم وقناطر زُبيدة في الحازمية.

         عن الـمُتواتَر أَن هذه القناطر بَــنَــتْــها الملكة زُبيدة لِـجَــرِّ المياه من نهر ابرهيم إِلى مناطق الساحل اللبناني بِـــبُــنْــيــةٍ دقيقةٍ مُـحْكَمَةٍ ذكَرَها الشيخ طنوس الشدياق في كتابه “أَخبار الأَعيان في جبل لبنان” (1859) واصفًا إِياها بأَنها “عجيبةُ الأَساس متينةُ البُنيان مُتْقَنَةُ البناء”.

          وإِنها فعلًا كذلك، وكيف لا تكونُهُ ووظيفتُها جـرُّ المياه بِـطُول تلك المسافة، اعتمادًا على قانون الجاذبية: تَـهبطُ المياه في القناة إِلى أَن تعودَ قوَّةُ الدفع فترفَعَها كي تعبُرَ القناةُ فوق الوديان والأَنهار حاملةً على ظَهْر القناطر عُذوبةَ المياه إِلى الأَهالي في المناطق المجاورة على طول تلك المسافة.

         ما هَـمُّنا هنا إِن كانت قناطر زُبيدة تُنسَب إِلى الملكة زنوبيا (في القرن الثالث بعد المسيح)، أَو الست زُبيدة زوجة طريفون ملك السريان (في القرن الثالث قبل المسيح)، أَو إِلى زُبيدة زوجة هارون الرشيد (في القرن الثامن بعد المسيح). للمؤَرِّخين أَن يَبحثوا ويُفيدُونا. شاغِلُنا هنا الأَثَــرُ التاريخي الـمُهْمَل: قناطرُ مهدَّدةٌ بالاندثار، حجارةٌ تاريخيةٌ نَــتَّـأَتْها السنواتُ الأَلفيةُ بالمطر والعواصف والتَحَـتُّت بـعوامل الطبيعة، ومشهدٌ نادرٌ في بلدتَين: قناطرُ تعبُر الوادي لم يبقَ منها سوى بقايا مبتُورةٍ جَريحةٍ على كُلِّ ضِفَّةٍ من نهر ابرهيم وتعبُر الوادي الفاصلَ الحازمية عن المنصورية، وفي كلتا المنطقتين واحاتٌ طبيعيةٌ مُـمْتعةٌ بالنهر الجاري أَو بالبساتين والأَشجار والمنظر الطبيعي والبيئي الساحر الذي تأْهيلُهُ يُشكِّل جاذبًا للزوَّار والسياح وجذبًا لإِنشاء مؤَسسات سياحية على الضِفَّتَين.

         أَن يكونَ الأَمر في عهدة المديرية العامة للآثار أَو في عهدة بلدية نهر ابرهيم وبلدية الحازمية، فالأَمر إِداريٌّ بحتٌ يلاحقُه المهتمُّون ويتابعه المعنيُّون.

         الـمُهم أَلَّا تَبقى قناطرُ زُبيدة مجردَ اسمٍ على مسمَّى، وخصوصًا حين يكون هذا الـمُسمَّى في عهدة دولةٍ تبحث في موازنتها عن مواردَ فيما المواردُ موجودةٌ وتَحتاج تأْهيلًا واستصلاحًا وترميمًا وحِفْظًا وحِفَاظًا. ففي الدُوَل التي تضع الخطَط الخمْسية والعَشرية حَـيِّــزٌ واسعٌ لـمناطقَ سياحيةٍ مُستصلَحَةٍ ومُصانَةٍ جالِبَةٍ مَواردَ إِلى خزينة الدولة، ولا حاجةَ عندها للدولةِ أَن تركض وراءَ الموظَّفين تَقتَطع من رواتبهم، ولا أَن تُـهرولَ بَــكَّاءَةً شحَّاذةً وراءَ دولٍ مانِـحةٍ وصناديقَ صديقةٍ مُـمَوِّلةٍ حتى تُـمَوِّلَ مواردَ موجودةً لديها لكنها،هذه الدَولة، مثل الـ”مَدَام مرتا”: “مشغولةٌ بأُمورٍ كثيرةٍ والمطلوبُ واحد”: بناءُ الدولة وليسَ تركيبَ الطرابيش بـترتيبِ الحسابات لإِرضاءِ الزعماء الذين يَسُوسُون هذه الدولة.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق