“أَزرار” – الحلقة 1084
التاريخ ينتقم للمظلومين
“النهار”  –  السبت  11 أَيَّار  2019

          سَجَنَتْهُ السُلطة أَربعَ سنَوَات (1970-1974) أَمضاها مقهورًا بين زنزانةٍ وأُخرى. وكأَنْ لم تكتفِ السلطة بهذه العقوبة فأَطلقَت عليه تهمة العُـتْـهِ والجنون وراحت تُنَقِّلُه بين مَصحٍّ وآخر للأَمراض العقلية. وما إِن خرج من السجن حتى نجح انقلاب عسكري في البلاد (1980) أَدَّى إِلـى تجريده من الجنسية ونْفْيِه إِحدى عشْرةَ سنةً تشرَّدَ خلالها بين أَلمانيا وإِيطاليا، حتى صفَحَت عنه السلطة وأَعادت إِليه الجنسية فعاد إِلى بلاده سنة 1991، وبقي يكتب حتى تُوفِّـيَ مطلع هذا الأُسبوع عن 86 عامًا، وودَّعته بلاده في مأْتمٍ رسمي وشعبي حاشد.

         إِنه الكاتب والمؤَرِّخ التركي قَدير ميسيروغْلو. عاقبتْهُ تركيا بـمرارتَـي السجن والنفي على كتابه “لوزان: انتصارٌ أَم هزيمة؟”، لأَنه فيه تَـجَـرَّأَ على انتقاد مصطفى كمال أَتاتورك لتوقيعه في 23 تموز 1923 معاهدة لوزان التي أَدَّت إِلى إِعلان “الجمهورية التركية”، معتبرًا أَن التنازُل الأَتاتوركي قلَّص الخلافة من أَمبراطورية عثمانية شاسِعة الوسَاعة إلى بلدٍ محدودٍ هو تركيا اليوم.

         هذا الأَمر يأْخذُني إِلى سؤَال دائم: مَن يَكتُب التاريخ؟ مَن يؤَرِّخ لبلاده، وكيف؟ وهل المنتصِر دائمًا هو مَن يَكتب ويؤَرِّخ بأَفعاله وانتصاراته متجاوزًا انكساراتِه؟ أَم هو الكاتبُ الثاقبُ الذي يُسَطِّر صفحات التاريخ كما حدثَت في التاريخ، مؤَرِّخًا أَو كاتبًا رواياتٍ تاريخيةً تستلهم الواقعَ الحاصل وتَنسُج حوله أَحداثًا وأَشخاصًا وتداعيات؟

         قمْعُ السلطة الذي يُغيِّر الوضع لصالحها في فترةٍ معيَّنةٍ من مسيرتها محدودةٍ مهما طالت، هل يُغيِّر مسار التاريخ؟ يقينًا لا. فالحاكم، مهما بَغى وطَغى وقَمَع، ينقضي مع انقضائِه أَو انقضاءِ عهده، ويبقى خالدًا في الذكْر ساطعًا في الذكْرى كتابٌ أَرَّخ عهدًا أَو أَضاءَ على الظُلْم أَو جَلَد القمْع بِسُوط القلَم.

         يأْخُذُني هذا الكلام إِلى نماذجِ قمْعٍ في التاريخ، قهَرَت مبدعين بأَجسادهم الفانية لكنها لم تتمكَّن من قهْر أَعمالهم الخالدة. أَتذكَّر هنا، من النظام السوﭬـياتي السابق، قهْر الكاتب بوريس ﭘـاستِرْناك (1960-1890) على روايته “الدكتور زيـﭭـاكو”. فضحَ فيها تجاوزات النظام فحَذَّرَهُ من طبعْ الكتاب (صدَرت ترجمتُهُ الإِنكليزية سنة 1957) ومَنَعَهُ من استلامه جائزةَ نوبل للأَدب ((1958 فمات مقهورًا وحيدًا لم يَسِرْ في جنازته سوى بضعة أَصدقاء.

         ومن النظام السوﭬـياتي السابق أَيضًا: قهْرُ الكاتب أَلكسندر سولـجيـــنِــتْــسِــن (1918-2008) على روايَــتَــيْــه “مدار السرطان” و”أَرخبيل غولاغ”: فضحَ فيهما قسوة الاتحاد السوﭬـياتي، ما سبَّب مَنْعَهُ من السفر لاستلام جائزة نوبل للأَدب (1970) ونَــزْعَ الجنسية عنه ونَــفْــيَــه سنة 1974. ولم يَستَعِد الجنسية إِلَّا سنة 1990 فعاد إِلى موسكو حتى وفاته.

         هي هذه سلطةُ القمْع التي، مهما طال بطشُها، لا تلبَث أَن تنهارَ وينهارَ قامعُوها منفــيِّــين إِلى ظُلمة النسيان، وتبق    خالدةً في الزَمان مُؤَلَّفاتُ المبدعين المقموعين، شاهدةً على تاريخ يبقى ساطعًا حيًّا في كتاباتهم من جيلٍ إِلى جيل.

هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق