“أَزرار” – الحلقة 1067
الـعــتَــبــاتُ الـمُضيئَة
“النهار”  –  السبت 29 كانُون الأَوَّل  2018

عند غُرُوب كُل سنةٍ نلتفت وراءَنا إِلى الحصاد، كي نرى أَمامنا إِلى شروق السنة الجديدة، ناهِدين أَن يكون في غلالها شبيهٌ لِـما كان على بيادر السنة المنقضية.

وفيرةً كانت غلالُنا هذه السنة، ومضيئةً وبهيَّةً وسنيَّة، بكوكبةِ أَعمالٍ إِبداعيةٍ راقيةٍ سطَّرَت للبنان 2018 نُـمُـوًّا ثقافيًّا نغتبطُ به لوِقفاتنا عند عتَباتٍ مُضيئةٍ لا يجوز أَن نتغافلَ عنها، ولو وسْط عتمةٍ تَـخنقنا سياسيًّا واقتصاديًّا ومدنيًّا.

مهرجاناتُ الصيف الرصينةُ كانت في جُلِّها مُشرِّفةً ضيوفَها وروَّادَها. الأُمسياتُ الموسيقيةُ لم تتوقَّفْ وبقيَت تضيءُ ليالينا ببرامجها وكبار مَن قدَّمَت وما قدَّمَت. النشاطُ السينمائيُّ واصلَ نبْضَه بأَعمالٍ لبنانيةٍ تأَلَّقَتْ نجاحًا وبلغَت نهائياتِ جوائزَ دوليةٍ تُشرِّف لبنان. الحركةُ المسرحيةُ ظلَّت تشقُّ طريقها إِلى الخشبات فلم تَـخْلُ صالةٌ من مئاتٍ ما زالوا يُقْبِلون على المسرح إِقبالَ أَيِّ جمهورٍ في العالم يسجِّلُ في روزنامته الأُسبوعية مواعيدَ المسرح جُـزءًا تلقائيًّا من برنامج الفرد أَو أَفراد من العائلة. معارضُ الكتب خبا البعضُ من جمهورها لكنها بقيَتْ تشهدُ إِقبال الروَّاد على رُفُوف الأَجنحة ومنصَّات الأَنشطة الثقافية كأَيِّ اقتبالٍ آخَر في أَيِّ معرضِ كتُبٍ آخَرَ من أَيِّ بلدٍ حضاريٍّ آخَر. دُورُ النشر لم تَختبئْ من العاصفة بل بقيَتْ تُنتِج جديدًا يُـبقي بيروتَ نجمةَ النشْر والإِصدرات في الوسَط العربي عمومًا. نجاحُ اللبنانيين في العالم ما زالت أَصداؤُه تأْتينا من نُبُوغ مواطنينَ مُـمَيَّزينَ اغترَبوا عن لبنان إِنما لم يغتربْ عنهم لبنان، فوسَـمُوا كلَّ جائزةٍ أَو تنويهٍ أَو وسامٍ أَو نجاحٍ بأَلوان عَلَم لبنانَ وانتمائِهم الـمُشَرِّف إِلى وطنهم الرائع. صالاتُ المعارض الفنية علَّقت على جدرانها لوحاتٍ ورُسومًا واستقبَلَت أَعمالًا تشكيليةً ناجحة.

مع غُرُوب سنتنا الحالية وقُرب شُرُوق السنة الجديدة، فَلْنَقِفْ أَقوياءَ، ولْنحافِظْ على مَناراتٍ ثقافيةٍ لبنانيةٍ لا تُطفئُها رياحُ الفشَل السياسيّ، ولا عواصفُ الوهْن الاقتصاديّ، ولا أَنواءُ اليأْس الـمالِـح الذي يُحبِطُ اللبنانيين حيالَ تَـخَـبُّـط سياسيِّــيهم من أَزمةٍ إِلى أَزمة، ومن عُقْمٍ في التقرير إِلى جَدْبٍ في التدبير.

فَلْنكُن إِيجابيِّين ونتخلَّ عن سلبيَّات التشاؤُم.

عند العتَبات النَقيَّة نريد أَن نقِف. عند عتَباتٍ مُضيئةٍ نُشرِّفُها وتُشرِّفنا ويَسعَد بها لبنان. هذه هي المقاومةُ الثقافية التي عادةً تَرفُدُ مقاومةَ البلاد كلَّ ما يُهدِّد مفاصِلَها.

إِنَّ لبنانَ الإِبداع الفرديّ يعلو على لبنان السياسيّ في وضعه الحالــيِّ، وهو عابرٌ كالغيم العابر مهما تَباطَأَ عبورُه، فالعقلُ اللبنانِـــيُّ الخلَّاق هو ابُن عصورٍ من الحضارة وأَجيالِ أَسلافٍ مباركين شدَّدوا لنا بناءَ الوطن.

إِلى هذا اللبنان بالذات ينتمي الذي قال “لو لم يَكُن لبنانُ وطني لاخترتُ لبنانَ وطني”، حتى إِذا صرَخ: “لكُم لبنانُكم ولي لبناني”، كان يعلِن استقالتَه من لبنان الدولة وانتماءَه إِلى لبنان الوطن.

وهكذا نحن.

هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق