“نقطة على الحرف” – الحلقة 1348
وجــهُ الــبُــقْــسْــمــاط
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَـد 18 شباط  2018

“لا يضحك حتى للرغـيف السخن”

في تعريف “البُـقسماط” أَنه “نَوعٌ من الخبز يُجفَّف ويـُحَمَّص في الفرن، ويُقلَّب على جميع الجهات حتى يكتسبَ طَعماً مُقرمِشاً، ثمّ يُترَك ليَبْرُدَ ويُطحَنَ ويُدَقَّ دَقًّا قاسيًا في الـهاوُن حتّى يُصبح ناعماً، ثمّ يوضَع في صينيّة الفرن ويُحمَّص ثانيةً كي لا يتعرَّضَ للتلف”.

كل هذا التعريف لأَبلُغ نقطة واحدة: الجفاف، بكل ما فيه من ملامح اليباس والقسوة واللامعنى والعُبوس والنقّ والتشاؤُم والسلبية والنعي والنفور.

وإِذا كان هذا منطلِقًا من الخبز الجاف الـمُحَمَّص الـمُـهَـيَّــإِ للكسْر والتفتُّت، فالعكسُ هو الرغيف الطريّ الطازج الذي يلوي وينطوي ليِّنًا طيِّعًا يُشتهى ويُــحَبّ.

رسمتُ هاتين الصورتَين لا لأُقابلَ بين رغيفَين: جافٍّ محمَّص وساخنٍ طريّ، بل لأُقابل بين وجهَين: كالـحٍ عابسٍ ومُشرقٍ بـهيّ.

ذلك أَنّ في المجتمع وجوهًا عابسة يابسة لابسة دومًا قناعًا قاتمًا شاتمًا عائمًا على السلبيات والرفضيات والنكَديات، لا يُعجِبها عجبٌ مهما كان وأَنى كان وكيفما كان، وفي المجتمع بالمقابل وجوهٌ هاشَّة باشَّة منفتحَة منشرحَة يهنأُ لها القلب والفكر فتُقارَب وتُـحَب.

في ثقافتنا الشعبية أَن الرغيف السخن الطازج مدعاةُ بهجة وفرَح واقتبال وتفاؤُل، وفي أَمثالنا قولُ إِن فلانًا لا يضحك للرغيف السخن، ما يعني أَنه دائمًا عابس عَبُوس معباس مصابٌ بإِمساكٍ لفظيّ وتعبيريّ ونُطقيّ. لذا يهرب منه الناس ويتجنَّبونه لأَنه علامةُ شُؤْم ونَـحْس يَأْنف منه محيطه لكثرة ما هو متشائمٌ خشِنٌ مبروشٌ برّاشٌ يقرمش كلامُه فيتكسَّر أَلفاظًا وتعابير، ويروح الناس يسمونه “البُقسماطي” لخشونة مقاربته والتحدُّث إِليه والتعامُل معه وشعورِهم أَن يلزمَه دقٌّ قاسٍ في الـهاوُن كالخبز اليابس حتى ينطحِن ويصبحَ ناعمًا.

وقد يكون هؤُلاء البُقسماطيون من أَهل الشأْن العام: من سياسيٍّ نعّاق دائمًا، إِلى رجل أَعمال نعّاب دائمًا، إِلى صاحب مصلحة أَو تجارة أَو موظّف في مؤَسسة أَو شركة، يستقبل الناس بوجهه الكالح فيأْنَفون منه، أَو يَعِدُ الناس بكلامٍ سياسيٍّ وهو نَفُور غَضُوب حَقُود، لا سياستُه تنفع ولا كلامُه يَقنع منه الناس.

وفي المقابل يطالعنا وجهٌ بَشوش مفتوح على النور والاقتبال، يهنأُ الحديث معه، يَرشح تفاؤُلًا وانفتاحًا فيحلو كلامه ويَجذب الناس فيصغون إِليه ويُحبُّون دماثته وخُلْقه وطبعه ومزاجه ويريحهم بأَفكاره وكلامه وَوُعوده المسؤُولة ومعاملته الطيّعة الطيّبة الطريّة مع الآخرين.

هذا هو الفرق الشاسع بين المتفائل والمتشائم، بين السلبيّ دائمًا والإِيجابيّ دائمًا، بين الوجه الكَلُوح والوجه الصَبُوح، بين البُقسماطي الخشن والمتعاطي الـمَرِن، بين مَن يَـــنــفُر منه الناس ومن يُــقْبلون إِليه.

فما أَهنأَ أَن يُحِبّ الناسُ أَحدًا فيفتحوا له آذانهم وعقولهم ويهُفُّوا له كما للرغيف السخن الطازج، وأَن يَـنْـفُـروا منه كما من كل جافٍّ يابسٍ خشنٍ مقرمَحٍ و… بُقْسْماطيّ.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق