“نقطة على الحرف” – الحلقة 1342
يُـحَظَّـرُ النسْخُ أَو التحـويرُ أَو الاقـتباس
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَــــد 7 كانون الثاني 2018

كي تكون 2018 فعلًا سنة جديدة: يُـحَظَّـرُ النسْخُ أَو التحـويرُ أَو الاقـتباس

         تتالت علينا مع فجر العام الجديد توقُّعاتٌ رَفَدَتْـها عباراتُ تَـهنئَةٍ وتبريكٍ ومعايدَةٍ ملأَت عرضَ الشاشات وطولَها، وشغلَت آلافَ وسائل التواصل الاجتماعي حتى تعطَّلت بعض خدماته تحت ضغط الاستخدامات.

         ومن وُعُود أَهل العلْم بالغائب بين كوارث وحروب وأَمراض سارية، إِلى وُعود أَهل العلْم بالحاضر بين سياسيين وخبراء ومحلِّلين في الأَوضاع العامة والحرب في الشرق الأَوسط والتهديدات النوَوية والبالِّسْتية مرفقَةً بتغريدات الصُقور والنُسور وخدمة الحمام الزاجل، أَطلَّت علينا السنةُ الجديدةُ خجولةً محتارة: هل ترتدي الجديد اللمَّاع البرَّاق فتبهَرُنا؟ أَم تُعدِّل في ثوبها القديم تفاصيلَ بسيطةً في الشكل واللون فتعطي المطرَ رداءَ الطوفان، وتُلبِس الأَرض كَسْوةَ اليـباس، وتُلهم البشر الانكفاءَ عن الافتراء والفساد؟

         من التعابير السائدة في قطاع النشر: “طبعة منقَّحة”، أَو “طبعة مجدَّدة” أَو “طبعة معدَّلة”، أَو “طبعة معادٌ فيها النظر”، أَو “طبعة مزيد عليها”. وفي هذه التعابير ما لا يشير إِلى أَن الطبعةَ المعنيةَ جديدةٌ كليًّا، بل هي السابقةُ ذاتُها مع إِضافاتٍ غالبًا ما لا تكون مهمة.

         هذه التعابير أَيضًا تنسحب على قطاع الخياطة، فيُمكن “تنقيحُ” ثوب موجود بتعديلات طفيفة عليه كي يَـخرُج من قِدَمِه، كما ينسحب أَيضًا على قطاع المآكل فَـتُضاف على طبَق تقليدي أَو تراثيٍ نكهةٌ جديدة، أَو تُزادُ مكوّنات تفصيلية على مكوِّنات الطبق الأَساسي حتى يَـخرُج من تقليديَّــته أَو تراثِّــيته.

         ولكنّ الواقع أَنْ لا الكتابُ ولا الثوبُ ولا الطبَقُ يكون “جديدًا” مهما أُضيفت عناصرُ مجدَّدةٌ إِلى عنصره الأَول.

         من هذا التفصيل في قطاع النشْر والخياطة والمآكل وقطاعاتٍ أُخرى شبيهةٍ يَلحقُ قديـمَها وحاضِرَها تعديلٌ طفيفٌ لا يَـجعلها جديدةً ولا بأَيِّ حال، أَعُود إِلى مطلع حديثي عن السنة الجديدة 2018، وما كال كثيرون من تُـهَمٍ ولَومٍ وتعنيفٍ على 2017 ومآسيها ومشاكلِها وتعقيداتِها وأَحداثِها وحوادثِها وإِحداثيّاتها، وما طالعَنا به “قُـــرَّاء الطالع” و”الـمَطالع” من آمالٍ عقَدوها وعلَّلونا بها أَن تكون 2018 سنةً جديدةً على قدْر انتظارات اللبنانيين منها.

         ماذا نصدّق؟ مَن نصدّق؟ إِلى متى نصدّق؟ وهل… فعلًا “نَـتَـسَاذج” فنصدِّق من لم نَأْلفْهم يَصْدُقُون؟

         الجواب يأْتي من حدْسنا الـمواطنِـيِّ الذي لا يُخطئ، فيقول لنا همسًا أَن نحاذِر كلَّ ما يقال، فلا نَعْتَنِقُهُ أَمَلًا ضبابيًّا، كي لا نقع في خيبةِ أَنْ تكون 2018 طبعة منقحة معدلة معادًا فيها النظر مزيدًا عليها من 2017 على أَنها “جديدة”، فيما هي لا تكون إِلَّا خطوطًا مجدَّدة على وجه عتيق، كطبعةٍ منقّحة من كتابٍ قديم، أَو خيوطٍ مفصَّلة على ثوب عتيق، أَو نقاطٍ إِضافية على طبق مأْلوف.

         إِذًا: لا الخطوطُ ولا الخيوطُ ولا النقاطُ تجعل 2018 سنةً جديدة، إِن لم نقْلب كلِّيًّا صفحةَ 2017 ونفتح صفحةً بيضاءَ بكرًا جديدةً تستحقُّ عندئذٍ أَن نرى فيها 2018 سنةً فعلًا جديدة.

 هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق