“أَزرار” – الحلقة 1017
من ساراماغو  إِلى العريش
“النهار”  –  السبت 2 كانون الأَوّل 2017

لا البصر الكفيف بل البصيرة العمياء

المشهدُ الـمُرعب عند باحة مسجد الروضة في عريش مصر، أَخذَني إِلى مُشهد مرعبٍ آخَر في رواية “فقدان البصيرة” للكاتب الـﭙـرتُغالي خوسيه ساراماغو (1922-2010) وعليها نال “نوبل الآداب” (1998) لفلسفته فيها عن فشل النظام السياسي والاجتماعي.

محور الرواية: مدينةٌ يضربها وباء العمى، بدءًا من رجل في الشارع متوقّف عند الضوء الأَحمر عَمِيَ فجأَةً وراح يعمى مثله كلُّ من يلتقيه حتى تفشّت العدوى في كل المدينة وبات معظم أَهلها عميانًا. حجَرَت عليهم الدولة في مصح نفساني لعزلهم وحماية المواطنين، لكنها فشلت في ضبط الوضع ومعالجة العميان لشفائهم فضَحَّت بهم قاهرة إِياهم لصالح المبصرين، حتى انفجرت الفوضى في المصح.

يتعمّق المؤَلّف من فقدان البصر إِلى فقدان البصيرة فينقلب عميان النظر إِلى عميان التصرُّف حين في محجرهم ينقصهم الغذاء والماء والهواء فيَندلعون إِلى تصرفات وحشية عمياء غريزية تَبْطش بدون رحمة وتقتل بدون شفقة، ما يعيد إِلى زمن الإِنسان الأَول في غريزةٍ حيوانيةٍ لا تُفرّق ولا تُبْصِر ولا تَتَبَصَّر، ما يدل على أَن الإِنسان، متروكًا معزولًا في الطبيعة الهائلة، يـبـتـعـد كلِّيًّا عن التدجين أَو التدجُّن.

وحدها بقيَت سليمةً معافاةً زوجةُ طبيب العيون مجسِّدةً صلابة الإِرادة أَلّا تصبح ضريرة، لكنها انكفأَت حين تكاثَرَ العميان وانقلبوا متوحشين يرتكبون السرقات والقتل والاغتصاب متفلّتين من كل رادع، فاقدين مع بصرهم بصيرتهم ومعها كلَّ كرامةٍ إِنسانية، فوقعوا في الحيوانية الـمُرعبة وأَغرقوا البلاد بارتكابهم أَبشع الجرائم الجماعية المتوحشة.

وتختم زوجة الطبيب ببلاغة صافعة: “نحن لسنا عميانًا لا يرَون بل عميانٌ يبصرون. قيَمُ الأَخلاق والكرامات والمبادئ تسقط حين يفقد الإِنسان طبيعته البصيرة حيالَ تَطَلُّبِهِ الأَعمى حاجات الحياة البشرية”.

ليس في الرواية تبريرٌ منطقيّ لتَفَشّي وباء العمى. إِنها استعارة الكاتب الوباءَ الفرديَّ الخاص رمزًا للعمى الجماعي العام في حالات قاسية تدفع الإِنسان نحو تَحَوُّل طبيعته البشرية إِلى غريزته الحيوانية لتحقيق شهوته الغريزية العمياء أَو حاجاته الاجتماعية والصحية. العمى هنا ليس جسديًّا بل اجتماعي، حين يتخطّى البصر إِلى البصيرة فيحصل عندئذٍ ما حصل في مسجد الروضة، كما في داعشيات العراق وسوريا وتفشيها إِلى أُوروﭘــا وسائر العالم، كلّما عجزت الدُول عن حل ليس في معالجة البصر الكفيف بل معاقبة البصيرة العمياء. الداعشية نتيجة لا سبب، وعمى البصيرة تقصير لا تبرير، وقايين ضحية أَكثر من هابيل، وضحايا المجتمع أَقسى من ضحية الفرد. لكنّ مشكلة المجتمع أَنه يَـحْجُر على عميان العيون ويُطلق عميان العقول فينقلبون عليه أَشرس من الضباع الجائعة في هجومها الأَعمى على أَهالي القرى المستفردَة.

هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق