“أَزرار” –  الحلقة  1014
عاشُوا  فـي الفَـقْـر  واغــتَــنَـوا بالخُـلُود
“النهار”  –  السبت 11 تشرين الثاني 2017

هَنيئًا لـمَن يَـمُوت ويَـخْـلُدُ في أَعمالِه

               بعد أُسبوعٍ على وفاة جبران ليلةَ 10 نيسان 1931، وعند فتْح وصيته الـمُؤَرَّخة 13 آذار 1930، اتَّضح أَنّ في حسابه الجاري 53،196 دولارًا أَوصى بها لشقيقته مريانا مع قيمة 40 سهمًا (حصته في البناية التي يسكنها)، ودفتَــرَي توفير أَوصى أَن تخصّص مريانا  قيمتَهُما لبلدته بشرّي.

         لا أَعرف بالضبط قيمةَ هذه المبالغ في تلك الحقبة، لكنها ضئيلةٌ حيال ما حقَّقته لاحقًا (ولا تزال تحقِّقه) عائداتُ مؤَلفات جبران الذي، سنة 1957، بيعت النسخة رقم “1،000،000” من كتابه “النبي” ما جعله “طليعة أَكثر الكتب انتشارًا في القرن العشرين” (جيمس دونالد آدامز – “نيويورك تايمز” – 29 أَيلول 1957).

         في هذا السياق أَتذكَّر مبدعِين ماتوا مغمورين أَو فقراءَ وبعدهم حقَّقت أَعمالُهم ثروات: ﭬـان غوخ مات في السابعة والثلاثين (1890) فقيرًا مجهولًا أَعالَه شقيقه ليونار، وبعد 100 سنة على وفاته بيعت لوحته “وجه الدكتور غاشيه” سنة 1990 بنحو 82 مليون دولار في نيويورك، كلود مونيه (توفي سنة 1926) كان مُعْوَزًا يرسم ليُـؤَمِّن قوت أُسرته، وسنة 2013 بيعَت لوحته “قصر كونتاريني في البندقية” بنحو 30 مليون دولار، ﭘـول غوغان مات في الرابعة والخمسين (1903) فقيرًا منسيًّا في جزيرة آتوانا النائية (جنوبي المحيط الهادئ)، بيعت إِحدى لوحاته بنحو 40 مليون دولار في نيويورك، إِدغار آلِن ﭘــو مات في الأَربعين (1849) مقهورًا فقيرًا وبعد 120 سنة على وفاته تحَوّل كتابه الشهير “قصص مذهلة” فيلمًا سنة 1969 بإِخراج ثلاثة كبار: فِدِريكو فيلّيني ولويس مالّ وروجيه ﭬـاديم وحقَّق مداخيل مليونية، إِمِلي دِكِنْسُون عاشت منزويةً وماتت في الخامسة والخمسين (1886) مجهولةً لم تَـنشُر لها المجلات سوى 12 قصيدة من أَصل 1800 قصيدة وُجدَت بعد وفاتها جعلتْها من أَكثر الأُدباء الأَميركيين مبيعًا، آماديو موديغلياني مات فقيرًا في الخامسة والثلاثين (1920)، بيعت لوحته “عارٍ جالسٌ على الكنبة” بنحو 69 مليون دولار في نيويورك، نِك دْرَيك الموسيقي البريطاني مات في السادسة والعشرين (1974) شبه مغمور، وبات اليوم أَحدَ أَكثر الموسيقيين تأْثيرًا في القرن العشرين، وسنة 1999 دفعَت شركة فولكسـﭭـاغن مبلغًا خياليًا لاستعمال مقطوعته “القمر الوردي” في فيلمها الإِعلاني، عازف الغيتار جيمي هندريكْس الأَميركي مات في السابعة والعشرين (1970) ولم يُصدر سوى ثلاث مجموعات وأَعلنتْه مجلة “رولِنغ ستون” “أَفضل عازف غيتار في العالم”.

         المبدعون فئتان: منهم مَن عملوا جاهدين مرهَقين لتأْمين شهرتهم وخلودِهم من بعدِهم، ومنذ غيابهم أَهملهُم ذَوُوهم وتبعثرَت أَعمالُهم، ومنهم من أَنتجُوا بالفقر لِــيَــتَّـقوا العَوَز والجوع، وبعد غيابهم حقَّقَت أَعمالُهم ثرواتٍ كبرى.

         ونادرون جدًّا (جبران نموذجًا) مَن عاشُوا في حلْم الخلود وتَـحَـقَّـق حلْمهم بعد الغياب.

هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق