“نقطة على الحرف” – الحلقة 1333
عقوبةٌ مُغَلَّظَة لـ”غَليظِـي” الضمير
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحـد  5 تشرين الثاني 2017

حين الدولةُ الحازمةُ تعاقِبُ الـمَسؤُولين قبل المواطنين

         قرأْتُ خبَرَين هذا الأُسبوع، الأَوّل من الكويت والآخَر من الـمَغرب، يَـدلّان على أَهمية أَن تكون الدولةُ حاضرةً في جميع مفاصل الوطن، وفي خدمة المواطنين ورفاه حياتهم، والاقتصاص من المخالفين أَيًّا كانوا ومهما بلغَت مراتبهم في هرم الدولة.

         من الكويت قرأْتُ في جريدة “الرأْي” أَن مسؤُول الشؤُون الفنية في الهيئة العامة للبيئة أَعلن عن فرض غرامة مالية تصل إِلى 10 آلاف دينار لـمن يقوم بالشواء على الشواطئ، معتبراً إِياها “عقوبة مغلَّظة” أَقسى من عقوبة الشواء العادي في الحدائق العامة. وأَوضح أَن العقوبة ليست على الشواء بذاته بل على التلوُّث الناتج عنه ضررٌ بالبيئة، كما تنص مادة واضحة في قانون حماية البيئة”.

         ومن المغرب قرأْتُ في وكالة الأَنباء الرسمية أَن عاهل المغرب أَعفى وزراءَ في الحكومة لفشلهم في تحسين الوضع الاقتصادي لدى منطقة من الريف شهدت قبل أَسابيع احتجاجات كبيرة واضطرابات اجتماعية منذ انتحر بائع سمك في حيٍّ من الريف المغربي بالارتماء على شاحنة نفايات احتجاجًا على مصادرة أَسماكه وحرمانه إِجحافًا من مصدر قوته الوحيد. والوزراء الذي طالهم الإِعفاء هم وزير التعليم العالي والبحث العلمي وكان وزير الداخلية في الحكومة السابقة، ووزير التعمير والإِسكان ووزير الصحة. وفي قرار ملكي أَقسى طال وزراء في تلك الحكومة السابقة أَيام التوتر في الريف، حرمهم العاهل المغربي نهائيًّا من تَوَلِّـي أَيِّ منصب وزاري في المستقبل، وهم وزير السياحة ووزير الشباب والرياضة ووزير الثقافة، للسبب ذاته: تقصيرهم عن تحسين الوضع الاقتصادي في الريف.

         ها نحن إِذًا، في الكويت والمغرب، أَمام نموذجَين لحزم الدولة في تطبيق القانون ومعاقبة المخالفين مهما علَت مراتبهم، فعند خدمة الشعب لا تمييز بين مواطن عادي ومسؤُول في الدولة بدءًا من الوزير، وللمخالفين الغِلاظ عقوبة مغلّظة.

         هذا يعني أَن الأَمر، في دولة حازمة قوية تحاسب وتراقب، يطال المسؤُولين عن تَلَوُّث البيئة بالنفايات في الشوارع وبدواخين زوق مكايل وشكا وبزحمة السير القاتلة بسمومها من عوادم السيارات والمسؤُولين عن إِحراق الأَحراج، ويطال الوزراء المسؤُولين عن الصفقات المشبوهة والاتفاقات الملغومة وعن تقصيرهم في القيام بواجباتهم التنفيذية، ويطال النواب المقصّرين عن حضور الجلسات للقيام بواجباتهم التشريعية، مع أَن القانون يعاقب النائب المتغيّب أَكثر من ثلاث جلسات بدون عذر شرعي يقدمه إِلى أَمانة سر المجلس ويُتْلى عذرُه علنًا في مستهل كل جلسة، كما يعاقب القانون كلّ مسؤُول يتسبّب إِهمالُه أَو تقصيره بضرر مادي أَو معنوي على المواطنين، ويعاقب كلَّ من يتبين أَنه حقَّق ثرواتٍ غيرَ مشروعة من المال العام بـمَصّ دم الشعب في صفاقةِ وقاحةٍ عاهرة.

         وحْدَهُ هذا الأَمر يحدد الفرق بين دولةٍ قوية حاضرة حازمة حاسمة تراقب وتحاسب وتعاقب بدون تفرقة بين مواطن ومسؤُول، ودولةٍ كرتونية يَسُوق حكامها الشعب كما يقود أَيُّ زعيمِ قبيلةٍ عشيرتَه أَو كما يدير أَيُّ تاجر مزرعته مستعبدًا عمَّاله وموظَّفيه.

         هنا الفرق بين مسؤُول يجعل الشعب في خدمته، ومسؤُول يكون هو في خدمة الشعب.

         ومن هذا الفرق نفهم كيف دولةٌ كانت قبل نصف قرن رملًا وصحارى وباتت اليوم دولةً عصرية، ودولةٍ كانت قبل نصف قرن نموذجَ الحضارة في المنطقة وباتت اليوم دولةً فاشلةً تتسكَّع باكيةً على أَبواب الدُوَل.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق