“نقطة على الحرف” – الحلقة 1316
يمتازُ   لبنان …
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَــد  9 تموز 2017

تزاحَـمَت طيلة هذا الأُسبوع نكاتُ المواطنين: شَفاهةً في ما بينهم، أَو كتابةً وإِرسالًا على وسائل التواصل الاجتماعي، يتندَّرون على موجة الحر التي اجتاحَت لبنان، منها نكاتٌ منظومةٌ شِعرًا مثل “قُمْ للمُكيِّف وَفِّــهِ التبجيلا”، ومنها المكتوبُ نثرًا مثل “الدفا عفا ولو في عز الصيف”، أَو “يجب التعديلُ في كتاب الجغرافيا الذي يَذكر أَنّ لبنان ذو مناخ معتدل طيلة أَيام السنة”، و”انزياح خط الاستواء من مكانه وعبوره لبنان”، إِلى التعليقاتِ بِـصُوَرِ لقطاتٍ طريفةٍ حول الثلج ومنافع التكوكب حوله في أَيام القيظ الحارق.

ولكان الموضوعُ ينتهي هنا، وينقضي مع انحسار موجة الحر، وانقضاءِ موجة التنَدُّر والتنكيت “فايسبوكيًّا” و”واتسآبِّــيًّا”، لولا حديثٌ لي مع خبيرٍ عندنا في الشأْن البيئي الطبيعي الجيولوجي، أَطلعَني على تفاصيلَ خرجتُ منها بأَن الدولة يمكنها أَن تكون فاعلة في تخفيف الحر الذي يتزايدُ عندنا أَكثر من قبْل، بسبب التصحُّر الذي يجتاح طبيعتَنا، وتاليًا بيئتَنا المحلية.

قلتُ: يمكن أَن تكون فاعلة، وأَقصُدُ مسؤُوليتَها ذاتَ البُعد العمراني في غياب تنظيم مُدُني لا يتشدّد في تطبيق التصميم التوجيهي للمناطق، ومسؤُوليتَها في تزويد البلديات بما يجعلها تتلافى إِهمال الغابات وتعالجُ حرائق مفاجئةً تَهدُم ثروتنا الحرجية بمختلف أَنواعها، ومسؤُوليتَها في فرْض مساحةٍ خضراء لكل بناءٍ جديد عوضَ رُجْمَةِ الأَبنية المتلازّة المتلاصقة حاجبةِ الهواء، ومسؤُوليتَها في غَضّ النظر عن إِزالة الخُضرة من بلادنا سهولًا وجبالًا، والخُضرةُ تعطي المناخَ طراوةً، وتخفّف من الهجير الكاوي، ولذا تسعى دُوَل الخليج إِلى تشجير أَراضيها الصحراوية كثيفًا حتى تخفِّف من حَـمْأَة الحَر فَيَتَرَطَّبَ مناخها بلطافة أَغصان الزرع والشجر، وهذه هي “الميكروبيئة” التي تَنفح القيظ بنسائمِ الخضرة اللطيفة.

أَمرٌ آخر يمكن الدولة أَن تتداركَه: الصيد العشوائي الذي يُهَجِّر الطيور ويَجعل فضاءَنا بيئةً غيرَ آمنةٍ للعصافي. فالطيور تُسهم في تغذية الشجَر وتطرية الجَو، لكنها راحت تَهْجُر أَرضنا وسماءَنا ويشتدُّ الحَر عندنا ولا من مُلَطِّفٍ سوى النِكات الكاريكاتورية.

هكذا إِذًا: دُوَل الخليجِ الحارّةُ المناخِ الصحراويّ الجاف، تَعمَل على التشجير و”اختراع” الغابات واستجلاب الطيور آمنةً إِلى فضاِئها المناخي فَيَتَرَطَّب ويخفّ الحَر والهجير، بينما نحن في وطنٍ خُضرتُه نموذجيةٌ وأَشجارُه وغاباتُه كنوزٌ طبيعيةٌ وبيئيةٌ نادرةٌ والطيورُ في فضائِه زَقْزَقَةٌ ومنفعةٌ، حَوّلْنا أَرضَنا صحارى صخريةً  وكساراتٍ وأَبنيةً عشوائيةً، وحَوّلْنا فضاءَنا صحراءَ جويةً باتت تخترقُها الشمسُ بدون شفقَة، لا شجرة تَرُدّ عنّا، ولا طيرَ يَـبُـثُّ نسيمًا، فأَخَذْنا نَكتَوي بِنارَيْن: نار الحَر القائظ، ونار إِهمال الدولةِ الغافيةِ كسَلًا من شدّة الحَر.

بلى: للدولةِ مسؤُوليةُ الحفاظ على تشجير أَراضينا كي نستعيدَ الهواءَ الرطْبَ، والنسيمَ الأَخضر، والحفاظَ على أَمْن العصافير فنَستعيدَ ما تنفَحُنا وتنفَعُنا به العصافير.

إِلَّا إِذا كانت دولتُنا بلغَت من الفشل والإِهمال أَن بات الإِنسانُ على أَرضها رخيصًا يُصادُ ويُقْتَلُ ويُغتالُ كما تُغْتال العصافير. 

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق