“نقطة على الحرف” – الحلقة 1311
الملِكُ يقِف… وفاءً للفن الراقـي
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَــد 4 حزيران 2017

كان العيد الحادي والسبعون لاستقلال الأُردن (25 أَيار 1946).

وكان حاضرًا جلالةُ الملِك عبدالله الثاني والملكة رانيا، في مقدمة أَعيانٍ كبارٍ من أَركان المملكة.

وكان يُمكنُ أَن يَحتفلَ بالعيد فنانون أُردنيون، وفي الأُردن منهم متأَلقون كُثُر.

غير أَنّ جلالة الملِك استدعى لبنان إِلى الاحتفال احتفاءً بالذكرى. وكان أَن استدعـى المغنّية اللبنانية سميرة توفيق.

وغنَّت في الاحتفال باقةً من أُغنياتـها ذات اللون الأُردنيّ الذي به اشتُهرت، وفي ختام الوصلة تقدَّم إِلى المسرح الملِكُ والملكة، فهنَّآها شاكِرَين، وقدَّم لها جلالةُ الملِك “وسام التميُّز من الدرجة الأُولى”، وذلك “تقديرًا لإِثرائها التراثَ الموسيقيَّ والغنائيَّ الوطني”.

***

نحنُ في لبنان، تعنينا من هذه اللفتة الملَكية النبيلة عشْرُ إِشارات.

أَوَّلًا             : أَنْ يحضرَ الاحتفالَ الملكُ والملكة على رأْس حضورٍ دبلوماسيٍّ وسياسيٍّ كثيف.

ثانيًا           : أَنْ تحْيي الاحتفالَ مغنيةٌ من لبنان، ولو جالسةً لأَنها لم تعُد لها القُدرةُ على الوقوف بسبب سنّها.

ثالثاً           : أَنْ يشاركَها جالالةُ الملكُ بعضَ أُغنياتها باللهجة الأُردنية، تصفيقًا مراراً وأَحيانًا غناءً معها من مقعده، في أُغنيات تكرَّسَت طويلًا في الوجدان الشعبي لدى الأَجيال الأُردنية والعربية منذ الستينات،أَيام كانت سميرة توفيق نجمةَ القناة 7 في تلفزيون لبنان وعروسَ  المسارح الغنائية،  بِلَونِـها البدويّ المميَّز وانتشارِ أَغانيها إِذاعيًّا وتلفزيونيًّا وسينمائيًّا.

رابعًا           : أَنْ يكرِّمها جلالةُ الملكُ على المسرح ذاته بهذا الشكل الراقـي، ويهنِّئَـها، ويتصوَّرَ والملكةَ معها زيادةً في التقدير.

خامسًا      : أَنْ يستدعيـها جلالةُ الملِك لأَنها أَشاعَت طويلًا في غنائها اللونَ الأُردنيَّ كلماتٍ وأَلحانًا من مبدعين أُردنيين.

سادسًا     : أَنْ تكونَ لجلالة الملِك هذه البادرةُ النبيلةُ بتكريمِ مغنِّيَةٍ في سنِّـها مع أَنها لم تَعُدْ لها قدرةُ الغناءِ على المسرح.

سابعًا        : أَنْ تكونَ بادرةُ جلالة الملِك وفاءً لمغَنِّيَةٍ صَدَحَ صوتُـها طويلًا بِلَون الغناءِ في بلادِه فجاءَ يرُدُّ لها الوفاءَ بالوفاء.

ثامنًا          : أَنْ تكونَ للملُوك لفتةُ تقديرٍ لـمَن أَضافُوا على الإِرث إِرثًا شعبيًّا، فيَحفَظَ تاريخُ الفن تقديرَ الملوكِ الفنَّ إِكرامًا لعرشِهم وشَعبهم قبل أَن يكونَ إِكرامًا للفنان.

تاسعًا        : الملِكُ النابهُ يعرف أَنّ عرشَه يتكرَّس في الزمان أَكثر، كلَّما دعا إِليه أَهل الأَدب والشِعر والغناء والموسيقى وسائر الفُنون، لأَن سُطوعَ الأَدب والفن أَبقى من أَحداثٍ سياسيةٍ آنيَّةٍ عابرةٍ يسجِّلُها الزمان في حينها ثم تذوب مع انقضاءِ الحين. ولنا في تاريخ الأَندلس عن زرياب في بلاط عبدالرحمن الثاني أَكثرُ مما لنا عن تاريخ الخليفة السياسي.

عاشرًا وأَخيرًا    : حين رأَيتُ صورةَ الملِك عبدالله الثاني والملِكة رانيا واقفَين أَمام سميرة توفيق الجالسةِ بسبَب عجزها الصحي، تذكَّرتُ صورةً مماثلةً لختام مهرجان ميخائيل نعَيمة.  يومها، في القصر الجمهوري نهار 14 أَيار 1978، كان نعيمة جالسًا في قاعة القصر الكبرى بسبَب عجزه الصحي، وأَمامه وُقوفًا رئيسُ الجمهورية الياس سركيس ورئيس الحكومة سليم الحص ووزير التربية  أَسعد  رزق، وصدَرت الصورة في “النهار” على الصفحة الأُولى، وفوق الصورة عبارةٌ تعمَّدها غسان تويني: “الدولة تقف لميخائيل نعيمة”.

إِنّ الدولة التي تقف أَمام جُلُوس الإِبداع الفكري والفني، تكون واقفةً على باب تاريخٍ يسجِّل وقوفَها في ذاكرةِ التاريخ.    

 هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق