“أَزرار” – الحلقة 982
عـابـرون عـابـرون في سراب عـابـر
“النهار” – السبت 18 آذار 2017

ليس من عادتي الشخصية ولا في حِرفتي الأَدبية أَن أَستشهدَ بعباراتٍ من الآخرين لأَدعم نصي فيستند إِلى أَفكارٍ أَو أَقوالٍ من السوى. غير أَن عبارةً صافعةً من ﭬـولتير قرأْتُها أَمس استفزَّتْني لِـما فيها من تعميم في المطلق وتخصيص في الواقع اللبناني. والعبارة هي: “السياسةُ وسيلةُ الذين بلا مبادئ كي يسوسوا الذين بلا ذاكرة”.

في السخرية الـﭭـولتيرية أَرى إِلى سخريةٍ مريرةٍ في واقع لبنان السياسي الذي ما زال منذ عقودٍ يتخبَّط في أَخطاء معظم سياسيـيه وخطاياهم.

الذين “بلا مبادئ”؟ صحيح. وشعارُهم أَنّ “السياسة فنُّ الممكن”، ومبدأُهم: “ليس في السياسة صداقاتٌ بل مصالح”، ودأْبُهم: “أَنا وأَخي على ابن عمّي وأَنا وابن عمّي على الغريب”.

الذين “بلا ذاكرة”؟ صحيح. وشعارُهم: “بالروح بالدمّ نفديكَ يا…”، ومبدأُهم: “زعيمُنا دائمًا على حق”، ودأْبُهم: “نحن معكَ كيفما تشاء ومع مَن تتحالف”.

وتستمرُّ التقاليد الموروثة أَبًا عن جَدّ “تُهدينا” السياسيين ذاتَهم من الأَجدادِ إِلى الأَبناء إِلى الأَحفاد، وعباءةَ المبايعات العُميانية الأَغنامية تنتقل إِلى أَجيال الـمُحازبين والأَزلام والأَنصار جدودًا فآباءَ فأَحفادًا يتوارَثون حـمْل الكراسي على أَكتافهم، والسياسيون على الأَكتاف متربّعون في غبطةٍ هي غالبًا مضْحكةٌ هزليةٌ لا تستاهل أَكثر من صفعةٍ ساخرة بـريشة بيار صادق أَو ستاﭬــرو جبرا.

ولن يُفيق وطنُنا من هذه الكوميديا السوداء إِلَّا متى قام فيه مَن يَصرخ في نِــيامِهِ أَنّ معظم السياسيين سرابٌ عابرٌ في زمن عابر، وأَنّ الزمن الحقيقي هو عقابُ هؤُلاء السياسيين على لازَمَنِيَّتهم، وأَنّ ظهورهم في مشهد الوطن ليس أَكثر من كومـﭙـارس هَشّ لا يلبث أَن يزول ما إِن يخرج واحدُهم عن المسرح، ولا يـبقى منهم سوى قلّة من رجال دولة مخْلصين يتركون بَصمة في ذاكرة الوطن لا يَمحوها الزمن.

الخلود لا يكون إِلَّا للمبدعين في كل حقل: مَن يَذكر اسم رئيس في أَيام ﭬـولتير؟ مَن يَحفظ اسم وزير في أَيام غاليليو؟ مَن يَعرف اسم سياسي في أَيام إِديسون؟ مَن يتذكَّر إِنجازًا سياسيًّا في أَيام دانته؟ مَن يستذكر اسمَ نائب في أَيام غوته؟

عابرون عابرون في سراب عابر من زمَن عابر في كل زمن.

فليفهَمْ شعبُنا أَن “السياسة وسيلة الذين بلا مبادئ كي يسوسوا الذين بلا ذاكرة”، وأَنّ لبنان لن يقوم من كَـبَوَاته إِلَّا متى أَصبح الولاءُ للوطنُ لا لسياسييه، وأَنَّ السياسيين مُـحاصصاتـيُّـون يَـمتطُون كراسيَ على أَكتاف الشعب كي يَحكُموه، ومتى قرَّرَتْ أَكتافُ الشعب أَن تُسقط عنها الكراسي، لن يكون مصيرُ السياسيين إِلَّا الوقوع في النسيان. والنسيانُ مصيرُ الأَنوار الـمُوقّتة العابرة. أَما المنارات الـمبدعة فإِشعاعٌ ثابتٌ دائمٌ لا تُطفئه أَعلى الموجات ولا تُلغيه أَعتى الرياح.

هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق