“نقطة على الحرف” – الحلقة 1284
طبَقاتُ التحَجُّر بين السمَكة والسياسة
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَــــد 27 تشرين الثاني 2016

كنتُ أَمس السبت إِلى جولةٍ على السُوق التاريخي في جبيل، ودخلتُ مَـحلًّا للأَسماك الـمتحجِّرة شرحَ لي صاحبُه عن تاريخ هذه الـمتحجِّـرات، ووجودِها في أَربع بَلْدات من أَرض لبنان: حاقل، النمُّورة، حْجولا، وساحل علما.

وقال إِنها ترقى إِلى ملايين السنين منذ انفجرَت الجبال إِلى ما فوق الغَمْر ونشبَت في الهواء فماتت الأَسماك وتحجّرَت بفعل العوامل الطبيعية، وهي اليومَ تعالَـج في مختبر خاص لــتُزالَ عنها بقايا الصخر المفلوق حتى تَبرز على شكلها الأَصلي بتفاصيل جسمها وعظامها وقياسها الطبيعي.

هذا الشرح عن التحجُّر في الأَسماك يأْخُذُنا إِلى العصور الحجَرية السحيقة الأُولى، لكنه أَخذَني إِلى ما نشهده اليوم من تَـحَـجُّر في العقليات السياسية التي تتحكَّم بالبلاد قيادةً وتكليفًا وتأْليفًا وتشكيلًا موزايـــيكيًّا يَـترجَّح بين العناد السياسي والكَيْد السياسي والتعصُّب السياسي والتحَجُّر السياسي، ما يفَرمِلُ انطلاق البلاد في عهدها الجديد بعد تَـحَجُّر فراغ ٍرئاسي سبَّبَتْه هو الآخَـر سلوكياتُ العناد والكَيْد والتعَصُّب والتَحَجُّر.

بلادٌ محاصرةٌ بالنار في محيطها، وسياسيُّوها يحاصرونها بالتَحَجُّر.

بلادٌ اقتصادُها ينهار، وسياسيُّوها ينهارونها أَكثرَ بالتَحَجُّر.

بلادٌ على شفا الكارثة، وسياسيُّوها يوغلون في كارثــيَّــتها بعنادهم المتَحَجِّر.

بلادٌ تتآكلُها المشاكل والإِضرابات والاعتصامات والتظاهرات والمظاهرات من كلّ نوع، وسياسيُّوها يتناتَشون قالب جُبنتها ليتقاسموه حقائبَ وزاريَّةً في ما بينهم ويوزِّعوه على أَزلامهم ومحاسيبهم وأَعضاء كُتَلِهم السياسية: ترضيةً وعرفانًا واحتساباتٍ انتخابيةً مناطقيةً شخصيةً وشخصانية.

في بلاد الناس يوزِّعون حقائب الوزارات باختيار الشخص المناسِب للمسؤُولية المناِسبة، وعندنا يختارون الشخص الذي يناسبُهم هم في المسؤُولية التي يعانِدون هم في المطالبة بها لا لمصلحة الوطن بل كي تُناسب مصالحهم الشخصية ومطالبهم الشخصانية وحساباتهم السياسية.

ولا يرعَوُون عن تسمية ذلك: “تركيب الـﭙـازْل”، كأَنّ الأَمرَ لعبةُ شطرنج أَو دومينو، أَو كأَنّ الأَمرَ تسليةٌ في وقت الفراغ، أَو كأَنّ الأَمر لعِبٌ للترفيه، كأَنّه ليس لعبًا بمصير شعبٍ ووطن، كأَنه ليس مخاطرةً بإِغراق البلاد في هُوّةٍ لا قيام منها إِلَّا بالمآسي والفواجع.

أَمس السبت، خرجتُ من محلّ الأَسماك المتحجِّرة من ملايين السنين، وفي بالي أَقنعةُ وجوهٍ سياسيةٍ من بلادي رأَيتُها متخلّفةً جامدةً متحجّرةً أَكثرَ بكثيرٍ من تلك الأَسماك التي يعرضها ذاك المحَلّ في سوق جبيل التاريخي.

 هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق