“نقطة على الحرف” – الحلقة 1277
من مصباح دُبي إِلى فانوس لبنان
إِذاعة “صوت لبنان” – الأَحَــــد 9 تشرين الأَوّل 2016

          قرأْتُ أَمس هذا الخبر من دُبي:

            أَعلن المدير العام لبلدية دُبي أَن الحاكم الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بين مشاريعه “مسرَّعات دبي للمستقبل”، أَطلق مشروع “مصباح دُبـي” – الأَول من نوعه عالمياً في تقليل استهلاك الطاقة – يوفر سنويًّا نحو 400 مليون درهم من الطاقة لأَنه يعمل بـــ1 وات، أَو 2 وات أَو 3 وات ويعطي نُور مصابيح تعمل بما بين 20 و60 وات مستهلكةً طاقة عالية للإِنارة. هذا المصباح التوفيري الجديد لا يولّد الحرارة فتؤثّر في هواء الغرفة، يخفّف الاعتماد على المكيّف للتبريد، وهو أَقلُّ كلفة من المصابيح الأُخرى، ويعمل طيلة 12 عاماً.

         هكذا إِذًا: نحن أَمام دولةٍ تسهر على راحة مواطنيها، وأَمام حاكم يفكِّر بــ”مُسَــرَّعاتٍ للمستقبل”: تؤَمِّن رفاهَ شعبه وتسهيلَ حياته وتوفيرَ الأَمن الاقتصادي والأَمان الوطني، ما يجعل شعبه تلقائيًّا يتعلَّق بأَرضه ووطنه ويَأْمَن لأَولاده هناءَة المستقبل في بلادهم.

          وهكذا إِذاً: في دُبي مشروعٌ واحد يوفر سنويًّا على الدولة 400 مليون درهم من الطاقة الكهربائية، وفي لبنان ترزح الدولة تحت ملايين الدولارات من أَجل طاقة كهربائية عرجاء عوراء عمياء ترهق الوطن، تناولتها مافيات المولِّدات في الأَحياء تسلخ مدَّخرات المواطنين وتُبقيهم تحت رحمة اشتراكاتٍ كاوية الأَسعار تضاف إِلى العتمة الكاوية من كهرباء الدولة.

          لن أَتوقّف الآن عند هذا الموضوع الفاضح فشلَ الدولة منذ عشرين سنةً في تأْمين هذه الطاقة، والكاشف عُقم طاقة الدولة على تأْمين أَبسط متطلبات الأَمن الاجتماعي.

          ما أَتوقف عنده اليوم هو هَمُّ الحاكم في رفاه شعبه، وتَطَلُّعُه إِلى “مسرَّعاتٍ للمستقبل”، مقابل هموم حكّامنا في رفاه عائلاتهم وأَزلامهم ومحاسيبهم بتَطلُّعات شخصية شخصانية تؤَمِّن مصالحهم الانتخابية والطائفية والمذهبية دون التفاتٍ إِلى مصالح شعبٍ يتلوّى تحت جمر القلق على مصيره ونار الغضب على دولةٍ لا تخدم إِلّا زعماء القبيلة ورؤَساء العشيرة وأَسياد المزرعة.

          في دبي: مصباحٌ ينير ويوفّر الطاقة، وفي لبنان: فانوس لا ينير ولا يوفّر الطاقة.

          هناك: مشاريعُ توفيرٍ اقتصاديةٌ طليعيةٌ رائدة، وهنا: مشاريعُ تبريرٍ انتهابية رائدة في زيادة الهدر وتمرير مصادر ترهق الدولة بمصاريف قاتلة يتمتع بها اللصوص الراتعون سعداء في مغارة علي بابا.

          هناك: دولةٌ تعمل على أَنها خادمةٌ شعبَها ومؤمِّنَةٌ مستقبلَه، وهنا: دولة تعمل على أَن شعبَها خادمُها ومسحوقٌ عميانيًّا على أَقدام زعمائِه  وأَسياده ورُؤَسائه.

          هناك: دولة تبحث عن “مُسَرَّعات المستقبل”، وهنا: دولةٌ ترزح في “مُبَطَّـآت الماضي”.

          هناك: دولة تنجح في تطوير إِنارة مصباح، وهنا: دولةٌ تعجز عن… إِنارة فانوس.

 هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق