“نقطة على الحرف” – الحلقة 1262
السّاديُّون الجُدُد
الأَحد 26 حزيران 2016

حادثتان هذا الأُسبوع تستوقفان، دلالةً على وحشية الإِنسان: الأُولى في جَـنوب لبنان، والأُخرى في جَـنوب أَفريقيا، وكلتاهما تداولتْ صورتَها  مواقعُ التواصل الاجتماعي.

p04-4_926361_large

في الصورة الأُولى جثةُ سُلَحْفاةٍ بحرية من النوع النادر، اصطادها أَحدُهم ودَقَّ رقبَتها كي يطمئنَّ إِلى أَنها لن تعود تتَحرّك، وتاليًا يسهُلُ التقاطُ صُوَر الــ”سيلفي” حَــدَّها بدون خطر.

1_181819_large

والأُخرى صورةُ سيّدةٍ ضاحكةٍ مَـرَحًا وفَـرَحًا عند جثّة أَسدٍ ضخم اصطادَه صديقُها ويغتبط بالتقاط صورة لها مع الأَسد مطمئنًّا إِلى أَنه مات فيسهُل التقاطُ الصُوَر حَــدَّه بـدون خطر.

هكذا إِذًا: فيما الجمعياتُ البيئية والمتخصّصة تعتني بالسلاحف البحرية وتغذّيها وتداويها وتراعيها لتضمَن عدمَ انقراضها، ثمةَ مَن يغتالها لِــساديَّـةِ التقاطِ صورة، وفيما الدوَل المتمدنة تعتني بحدائق الحيوانات لتُحافظ على الأَنواع النادرة خوفَ انقراضها، ثمةَ مَن يغتال أَسدًا مفترسًا لِـساديَّةِ التقاطِ صورة.

ويتسابق أَصحاب المواقع الإِلكترونية على نشر هذه الصُوَر بِـتلَذُّذٍ ساديٍّ غريزيّ يذكِّرني بِـجمهور المتفرجين الرومان كانوا يصفقون مَـرَحًا وفَـرَحًا لـرجلٍ على الحلبة يصارع وحشًا ويصرعُه، أَو بـجُمهور الكوريدا حين كان يتحمَّس لـمصارعِ الثور على حلبَة الخطر ويهتاج مَـرَحًا وفَـرَحًا عند صَرْعِه الثور.

هي الغريزةُ الحيوانيةُ تستيقظ في الإِنسان عند صَرْعِه الحيوان، كأَنما، أَكثرَ من وحشية الحيوانات المفترسة، يتباهى بالتوحُّش وبأَنه صَرَع حيوانًا وأَشبع غريزتَه الدفينة.

إِذا هذا التوحُّش المجاني مرفوضٌ وممجوجٌ وممنوعٌ على مستوى صرْع الحيوان للفَوز بصورة، ما القولُ إِذًا في حُكَّام ساديين غريزيين يقتلون شعوبًا بأَطفالها ونسائها وعجائزها للفوز بقطعةِ أَرضٍ، أَو بـمُلْكٍ، أَو بالإِبقاء على حُكْمٍ، أَو بالسيطرة على حُكْمِ شعبٍ ودولةٍ ووطن؟

وإذا في العالم جمعياتٌ إِنسانية للرفْق بالحيوان، تَشجُب الاعتداء عليه أَو تعذيبَه، فمَن للرفْق بالإنسان إِزاء مجازر قتْل الشعوب وتعذيبِها وتشريدِها من بلدانها، وتعريضِها للتسكُّع على أَرصفة الدُوَل، والهروبِ بين أَمواج البحرِ الحاملةِ الموتَ الـمُريع؟

إِنه القتل المجاني يتكــرَّر عصرًا بعد عصر: مَن يقتلُ حيوانًا للتلذُّذ الساديّ بالتقاطِ صورة، ومَن يقتلُ إِنسانًا للفوز الساديّ بنشوةِ الانتقام، أَو للثأْر، أَو للمال، أَو هو حاكم فاشِـيٌّ ساديٌّ يقتُل شعبًا ليفوزَ بغنائم الجغرافيا لكنه يُصرَعُ بلعنة التاريخ.

وما أَسرع طعنةَ الجغرافيا، أَمام ديمومةِ لعنةِ التاريخ!

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق