أزرار- الحلقة 932
تـتـغـيّـر الـوسيلة ولا يتغيّر الرمـز*
السبت 19 آذار 2016

]ثلاث صحف لبنانية كبرى مهدَّدة بإِمكان التوقُّف عن إِصدار طبعتها الورقية[

أَفهم صدمة الذين فوجئوا بإِمكان احتجاب الطبعة الورقية لكبرياتٍ من صحفنا اليومية.

وأَفهم قلق زملاء قد يطالُ موردَ رزقهم هذا الاحتجاب.

وأَفهم مبررات أَصحاب صحف يفرض وضعهم الاقتصادي قرارَهم وقْف الطبعة الورقية وربما الانتقال إِلى الطبعة الإِلكترونية.

إِنما أَفهم أَن العصر يتغيّر بسرعةِ الرقم الذي لا يهدأ، عكسَ بُـطء الحرف الذي يَتَسَلْحَفُ في الولادة والوصول إِلى القارئ.

الـمُهمّ هو الرمز. أَن تتغيَّر الوسيلةُ أَمرٌ طبيعي. الأَهم أَلّا تتغيّر الرسالة، وأَن يبقى الرمزُ أَمينًا على الرسالة.

اللوح الأَسود في قاعة الصف غاب وغابت معه الطبشورة البيضاء. اليومَ عصرُ لوح ذكي يزحف إِلى قاعات الصف في المدارس. تغيّرَت الوسيلة ولم يتغيّر الرمز الذي يوصِل الرسالة.

الغــزّارة غابت ومعها المحبرة، وغاب بعدها القلم الجاف، وغاب بعده قلم الحبر، وغابت بعده الآلة الكاتبة، واليومَ عصرُ الكومـﭙــيـوتر. تغيّرَت الوسيلة ولم يتغيّر الرمز الذي يوصِل الرسالة.

الكتاب الورقي ينحسر تدريجًا أَمام زحف الكتاب الإِلكتروني الذي تُولد له وسائطُ قراءته على شاشة لوح ذكي أَو شاشة  هاتف المحمول. تغيّرَت الوسيلة ولم يتغيّر الرمز الذي يوصِل الرسالة.

موسوعةٌ بعشرات أَجزائها تختصرها شريحةٌ إِلكترونية أَصغرُ من عقدة الإِصبع. والكتابُ الضخم المتعدّد الأَجزاء باتت قراءته ممكنةً على لوح ذكي يـحمِل الكتاب الرقميّ. تغيّرَت الوسيلة ولم يتغيّر الرمز الذي يوصِل الرسالة.

العصرُ نهرٌ سريع جارف لا ينتظر من لا يُـحسنون السباحة. والزمن الحاضر غاب عنه القطارُ البخاري البطيْءُ وغيّر الوسيلة إِلى قطار سريع لا وقت لديه كي ينتظر المتأَخرين على المحطة.

العصرُ اليومَ أَنقذ ناسَه من امتطاء البطء لبلوغ الغاية. المهم أَن يبقى الرمز. في الماضي كان السيّاح يقطعون إِلينا الأَميال والأَيام والليالي كي يزوروا بعلبكَّـنا الخالدة. اليوم بات بإِمكان آخر مواطنٍ في آخر الأَرض أَن يزور بعلبك بكبسة زر على مكابس الكومــﭙــيوتر فيزور بعلبك من حيثما هو.

العصر يُسرع. يختصر المكان والزمان، يغـيِّـر في الوسيلة ويُبقي على الرمز. صحيح أَن المساحة المادية حميمة، وغيابَها موجِع ومـحـزن. لكن الفضاء الافتراضي يخيِّم علينا، ولا مفر من التـفـيُّــؤ في ظلّه، وإِلّا لن يكون لنا مكان تحت الشمس.

إِنه قدَر العيش في عصر اللحظة. ولحظةُ العصر كنقطة المياه في النهر: ليست ولا لحظةً حيث هي بل تجري سريعةً إِلى مصيرها.

ونحن، أَبناء هذا العصر، علينا أَن نـختار مصيرنا: إِمّا أَن نكون نقطةً متحركةً قابلةً الحياةَ في نهر متحرِّك، أَو نبقى نقطةً جامدة في بحيرة آسنة تضربُها الشمس حتى تجفِّفَها وترميَها في غوامض النسيان.

______________________________________________________________________________________________________

* “النهار” السبت 19 آذار 2016

ممنوع التعليق