نقطة على الحرف- الحلقة 1243
“فْرنْـشايز” سجْن رومية نموذجًا
الأَحد 14 شباط 2016

جاءَنا من هولندا خبرٌ حَضاريٌّ يتناسَـبُ تمامًا وأَنها وطنُ الوُرود الجميلة والطواحين الهوائية، وبلدُ ﭬـان غوخ ورامبرانت، والعاصمةِ الساحرة أَمستردام بقنَواتها المائية والسياحة في أَنهارها النظيفة.

الخبر الحَضاريّ أَنّ الدولة، بعد مراجعتها عددَ الموقوفين لديها – وهُم نحو 12 أَلفًا والعدد إِلى انخفاضٍ متزايد، وسُجونها تتّسع لــ14 أَلفًا – قَــرَّرت إِغلاقَ ثمانية سُجونٍ في البلاد لعدَم الحاجة إِليها، والإِبقاءَ على سجونٍ حالية للمجرمين العنيفي السلوك غيرِ المأْمول إِطلاقُهم لأَنّ فيه خطرًا على المواطنين وأَمْن الدولة.

هكذا رحَّلَت هولندا ثمانيةَ سُجون إِلى استعمالاتٍ أُخرى نافعةٍ شعـبَها، فيما عندنا تعجَز الدولة عن ترحيل نفايات شعبنا، وعن ضبْط حالاتٍ خطيرةٍ في السجون تُلحُّ في ترحيلِ شاغليها من إِجراء جلسات المحاكمة إلى إِطلاق حكْم المحكمة.

وهكذا يبدو أَنّ ما لدينا بات نموذجًا للتصدير. فشاغِلُو السُجون عندنا مُـرفَّهون بأَجهزةٍ خلَوية يُحوِّلون بها غرفة السجن إِلى غرفة عملياتٍ تَخريبية يُديرونها عن بعد، ولديهم أَجهزةُ تلـﭭـزيون وأَدواتٌ مطبخيةٌ وتسلوية، وكلُّ ما يمتِّع إِقامتهم بانتظار محاكمتِـهم.

في القطاع التجاري ما يسمى “فْرنْشايز”: وهو مَنْحُ الغيرِ الحقَّ باستعمال اسْمٍ أَو نموذجٍ تجاريٍّ أَو علامةٍ تجارية، ومزاولةَ هذا الاستعمال يضبطُهُ دفترُ شروطٍ محدَّدٌ على طالب استخدام الاسم تطبيقُها كي يُسمَح له استعمالُه، وهذا دارجٌ في الاسم المشترك لـسلسلة مطاعم وفنادق وعطُور ومأْكولات ومحالّ تجارية للموضة والخياطة والتصميم والمبيعات متخصّصة، فينتشر النموذَج المستورَد من الخارج بشروط استخدامه في الخارج.

ويبدو أَننا على هذا النمط سائرون في تصدير علاماتٍ تجارية بـنماذج سُجونٍ لترفيه المساجين وترفيع المجرمين: يدخلون السجون لجنايةٍ ارتكبوها، ويتحوَّلون في السجن مُجرمين مكرَّسين أَخطرَ مما يَومَ دخلوها، ويديرون منها شبكاتِ مخدّرات ودعارةٍ وعملياتِ تفجيرٍ واغتيالات، كأَنما دأْب دولتنا أَن تصدِّر إِلى العالم “فرنشايز” نماذجَ علامات تجارية للتأْجيل من جلسة إِلى جلسة، ولترحيل الأَزمات والانتخابات والمعالجات حُكوميًا وﭘـرلمانيًّا ورئاسيًّا، ليس مَن يجِدُ حَــلًّا أَو مَن يريد إِيجادَ حَل، والأُفق مسدود، والأَمل مفقود، والمواطن موعود، والتأْجيل موجود، والترحيل مشهود، والمستقبل محدود، والوطن إِلى جمود، والفضائحُ إِلى شرُود، حتى بات الوطن سجنًا كبيرًا مصفَّدًا بالقيود.

وبــين هولندا الـمقْـفِــلَــةِ سُجونًا لعدَم الحاجة إِليها، ولبنان الذي بات سِجنًا كبيرًا، يقف المواطنُ عندنا متسائلًا: “كم جيلًا سَيَمُرُّ بعدُ على فْرنْشايز سجْن رومية نموذجًا، حتى نبلُغَ نموذجَ فْرنْشايز سجون هولندا”؟

ممنوع التعليق