كتاب – “لبنان – تاريخ أمّة لم تكتمل” لعبدالله نعمان وطنٌ يحكمه “مقاطعجيون” تحصّنهم الطائفية

logo29 كانون الأول 2015 – السنة 83 – العدد 25866

p07-01-25866-640_351545_large

هنري زغـيب

إلى أين يأخذنا عبدالله نعمان؟ وما الذي يرمي إِليه في عنوانه الصادم “لبنان- تاريخ أمّة لم تكتمل” (بالفرنسية – منشورات “غْليف”، باريس – 2144 صفحة قطعًا كبيرًا في 3 مجلّدات تضمّها عـلبة مـقـوَّاة)؟ أمِن يأسٍ أطلق هذا العنوان، أم بحثاً عن الأمل؟ أمِن إحباطٍ أسود أَم تمسّكًا بالـرجاء؟ 2144 صفحة ضمَّت 945000 كلمة تتصدّرها مقدمة جريئة ويليها استهلال ساطع يعلن أن الكتاب يبحث في “تاريخ بلدٍ حديث جدًّا وقديم جدًّا، يتعذّب لبلوغ النضج وسط لغطٍ غامض في كتابات مؤرخين مأخوذين بمجد ماضيه، باحثين عن ظروف تكوينه، ملاحظين مأزق جذوره في بيئته الجغرافية والجيوسياسية، راصدين تطوّره المؤسساتي ورؤى مستقبلٍ له لا يزال المراقبون الموضوعيون يرونه احتماليًّا وغير مستقر”.

بعيدًا عن شوﭬــينية المتغنّـين فولكلوريًّا بلبنان القصائد والأغاني والحكايات، يقف عبدالله نعمان وقفة الجازم المسؤول بأنّ هذا الوطن مهدَّدٌ بـمجهول قاتم ينذر بالفاجعة إِن لم يَع ذووه أنه على الشفير المأسوي. لا يأتي موقف المؤلف من عاطفة مجانية، بل راح يقطف من مئات المراجع والمصادر وكتابات المؤرّخين والباحثين والرحّالة والمستشرقين ثمارَ استنتاجاتهم وأبحاثهم في هذا الـ”تأريخ”، ويستنتج ما يحزنه ويثيره في آن واحد، هو الذي يرى وطنه على قاب برهة من الخطر، فيحوّل حزنه كتابًا، وغضبه تحليلًا، ريثما يرى وطنه ينهض من كرسي الإِعاقة إِلى وقفة البقاء المتين.
إِنه مُـحِبٌّ إِذًا: يريد لوطنه أَن يكون هو لا نسخة عن سواه أَو عمَّن يريد له أَن يجعله سواه. هوذا في مقدمته يعترف: “تعمدتُ في كتابي موضوعية الأسلوب، فكنستُ الكليشيهات البليدة السائدة، وفككتُ السائد من الأفكار الخاطئة، وبدّدتُ متعارفات يطمئنّ إليها الطوباويون، وأظهرتُ تعقيد الواقع وتداخلاته الشائكة وتراكباته الخطيرة”. بهذه الجرأة النقية أَفهم كيف يتبنّى المؤَلّف مقطعاً من رسالة فريدريك نيتشه إلى صديقته مالـﭭـيدا، جاء فيه: “تخلّيتُ عن كلّ طموح سياسي أو اجتماعي، ولم أعد أخشى أيَّ تأويل في كلامي من هذه الناحية، ولا أيَّ إرغام على قولة ما لا أريد، وبات من حقي أَن أقول جَهارًا ما به أفكر في سرّي، وأن أخوض تجربةً عرفها أمثالي الناعمون بحرّية التعبير عن أَفكارهم، والداعمون الأَفكار الحرة”.
أَفتح المجلد الأول: في قسمه الأول “زيارة عصرية إلى الجاهلية”، أجول فيها على ما يرى المؤلف من “أرض عاقّة” تولّى، كي يكتشفها، “تشريح الجبل المقدس” حتى يُسقط عنه حجب الأساطير وينقله إلى الواقع المجرَّد من كل هوىً وانسياق، فاتحًا سجلّ الفينيقيين على حقيقة منطلقاتهم ومنعرجاتهم ومغامراتهم، وصولًا إلى انفتاح أرض لبنان على الدخول العربي في أبهى عصوره. وهو في ذلك يمهّد للتغيرات الدراماتيكية التي ستحصل لاحقًا على هذه الأرض. وفي القسم الآخَر من المجلد ثــبْــتٌ قارسٌ بــ”القبائل اللبنانية”، من “أَبناء مارون” إِلى التوسّع العربي، إلى المسيحيين العرب، إِلى الدخلاء لاحقًا، فإلى الدروز فأمجاد بيزنطيا فهدأة السنّة الأقوياء.
أَفتح المجلَّد الثاني “ولادة أمّة”، تترجّح فصوله الثلاثة بين التطيّف: رصيدًا تجاريًا أم شرًّا لا بد منه؟ وبين العروبة خشبة خلاص، ومناداة بــ”أمّة لبنانية” شكَّلت سوء تفاهم تاريخيًا بين “اللبننة” و”العوربة”، واصطفافات قلبت المقولة إِلى “كلٌّ لحالِه وليس اللهُ لأحد”، وصولًا إِلى “استقلال” لبنان، وولادة إتنيات متخاصمة لم يدملها الآباء المؤسسون، ولا البحث عن الخلاص حتى لدى الشيطان، ما أَدى إِلى انفجارِ حربٍ شرسة أَطاحت بعنفها كلّ التروّي.
أفتح المجلد الثالث بفصوله الخمسة يفتتحها سؤال جوهريّ: هل العلمانية يوتوبيا لا تتحقق؟ يتواصل البحث بين حدود طائفية لا “تـتـثـاقف” في ما بينها فتولّد عنصريةً محدثة قاتلة، وعلى البرزخ الحادّ بين الجغرافيا والتاريخ تنشب عليه الصعوبة بين جارٍ مرفوض وشقيق مفروض يضع البلاد على الحدّ الخطير بين التكامل والهيمنة. ويروح البحث يتنامى عن هوية توحّد لا تفرّق، ظلّت تتهزهز حتى عاد زمن “القناصل” إِلى بيروت يفصلون ويفاضلون. ووسط هذه العواصف العمياء يولد السؤال الأصعب: “كيف نخترع المستقبل؟” وتتناسل منه أسئلةٌ تابعة: كيف يولد لبنان الجديد؟ كيف الصعود من قعر الهاوية؟ كيف الخلاص من مسيرة تتمرحل من حربٍ إلى أخرى؟ أمِن الشرق يأتي الموت أم من الغرب؟ وكيف اجتياز هذا الليل الطويل إلى الفجر الجديد؟
أُغلق المجلدات الثلاثة، ينقشع الصداع: ها أنا، بعد 2144 صفحة، أخرج من مغامرةٍ شديدة الخطورة خاضها عبدالله نعمان بكتابته تاريخ بلاده عاريًا من المغريات الطوباوية، واقفًا في الريح وطنًا مـحيّرًا مشوَّشًا لا قياس له ولا معيار، تناوله بالشكّ الذي يريد أن يبلغ اليقين، عاين تعقيد العلاقات بين طوائفه التأسيسية، فكّك الـمعـلَّب من الأفكار الرائجة تهويمًا، فصل الأساطير حوله عن واقعه الأساسي، واستنتج أنّ “دولة لبنان مولودة حديثة”، وأنّ “واقعه الدستوري الـملتبس ناتج من التقاء آمالٍ يجمعها التناقض ويوحد بينها سوء التفاهم”، وأنّ المجتمع اللبناني حديث معاصر لكنه يعيش مسجونًا في نظامٍ سياسي موروث وفي موزاييك مقاطعات إقطاعية يسوسها “مقاطعجيون” يتولّونها متفاهمين في ما بينهم، ويمسكون بالحكم كما إِلى الأبد، تؤمِّن تمتين سلطتهم ديمومةُ رصيدٍ طائفي يحميهم ويحافظ على تسلّطهم”.
بهذه الجرأة في التفكير والتعبير، بنى عبدالله نعمان كتابه الموسوعيّ، سافرًا يفضح المستور، يخلع عن الوجوه أقنعة مجتمع خامل عتيق هو ذاته يسبّب أزماته السياسية الدورية ويتسبّب بأوضاع مالية فوضوية. لذا عالج المؤلف فصول كتابه بمقاربةٍ شخصية جريئة تناول فيها مسائل مزعجة بموضوعية صادمة، ساعده عليها وقوفه حياديًا طليقًا من أَيّ انتماءٍ سياسي لا يزال مصدر نزاعات حادة قاتلة بين اللبنانيين. لذا لم يقع في فخّ قاموس إيديولوجي عقيم يـؤدّي إِلى نتائج جدلية واستنتاجات عاطفية مجانية أو ساقطة.
هل يؤدّي هذا الوعي إلى الخلاص؟ هل ينساق لبنان إِلى هاوية ما يجري فيه اليوم؟ هل يكون له – فعلًا ميدانيًا لا قولًا عاطفيًا – أن يقوم من رماده في يومه الثالث؟ وسياسيّوه هؤلاء، الـمـتـشـبّثُون بالحكم عبر نظام طائفي ورثوه ويمكِّنهم من خنق أيّ محاولةٍ علمانية جادّة، هل سيتيحون انبثاق جيل جديد يبني دولة حـقّ ومساواة وعدالة تقوّض دولة اليوم بفوضاها وهشاشتها؟
تتزاحم الأسئلة عند الفراغ من قراءة هذا الكتاب الضخم، وتعيدني إلى السؤال الأوّل: إلى أين يأخذنا عبدالله نعمان، وما الذي يرمي إليه في عنوانه الصادم “لبنان- تاريخ أمّة لم تكتمل”؟ إلى أين؟ إِلى إيمانه الصادق بلبنان الحقيقيّ. وما الذي يرمي إليه؟ أملٌ نقيٌّ بـرؤية وطنه ناصعًا من التبعية والزبائنية والاستسلام والاستزلام، وطنًا يستاهله أبناؤه، ويحترمه العالم يوم ينفض عنه قشور هذا الحاضر الموحل، وينهض إِلى قيامة تهـيّئ أبناءنا لاستحقاق وطنٍ لا يخجلون من الانتماء إليه.


الرابط على موقع النهار: http://newspaper.annahar.com/article/297358

ممنوع التعليق