أزرار- الحلقة 920
عَلامةُ استفهام *
السبت 12 كانون الأَوَّل 2015

          أَمام الصفحة البيضاء يأْخذ الكاتب قلمَه ويتهيَّب اللحظة: إِنه سَــ”يكتُب”. والكتابةُ مسؤُولية والتزام.

أَكِتابًا يـؤَسس، أَو مقالاً ينشئُ، أَو بحثًا يُهيِّئُ، يتهيَّب اللحظة كي لا ينزلقَ به القلم على طهارة الصفحة البيضاء إِلى أَدنى من المسؤُولية والالتزام. هكذا كانت حرمةُ الكلمة قبل أَن تنطلق إِلى وُجْهتها، وهكذا كانت هَيبةُ الصفحة البيضاء.

          أَين نحن اليوم منهما؟

          اليومَ انفلَشت الصفحة البيضاء على الشاشة البيضاء، شاشة الكومـﭙـيـوتر أَو الهاتف المحمول، وانكسر “تابو” التهيُّب، وأَفلتَت القواعد، وانهارت حصونُ البلاغة، وبات كلُّ فردٍ يكتُب أَيَّ كلامٍ لأَي مُـتَلَـقٍّ من دون ضوابطَ لغوية بل لـمُجرد التواصل.

          ومع انتشار وسائل الاتصال ووسائط التواصل وتَشَظّي المواقع الإِلكترونية وسهولة الوصول إِلى الآخر، باتت السرعةُ هي المقياس، وبلوغُ الهدف هو المعيار، في أَيِّ لغةٍ وأَيِّ طريقةٍ وأَيِّ أُسلوب، وبات الـمُتلقِّي يتلقَّى ويُجيب، فيأْخذ التبادُل التراسُليُّ مداه الأَوسع في وقتٍ وميض لا يترك للمُرسِل والمتلقّي أَيَّ لحظةٍ للتفكير والتَرَوّي، حتى باتت اللغةُ لغاتٍ ورسومًا وإِشارات.

وحتى اللغةُ لم تَعُد اللغة: اجتاحتْها فوضى الاختصار، وطريقةُ كتابةٍ هجينةٌ تعتمد رموزَ الرسوم الإِلـماحية، أَو إِيجازَ الكلمة ببضعة أَحرف منها، أَو تُطيحُ قواعدَ كتابتها حتى باتت الفرنسيةُ غير الفرنسية والإِنكليزيةُ غير الإِنكليزية والعربيةُ، فصحاها والمحكية، مكتوبةً بأَحرف لاتينية دمَّرَت كل قاعدة وكل معيار.

          هكذا سقطَت أَتعاب كان المدرّسون يَـبذلونها لتلقين تلامذتهم قواعد لغوية، أَو طرُق كتابة، أَو العودة إِلى السطر عند مقطع جديد، وكيف وأَين يستعملون التنقيط والفواصل والجُمَل الاعتراضية وعلامات الاستفهام والتعجُّب وأُسلوب المخاطبة وربطَ الفعل مع الاسم والصفة، وتجنُّبَ ارتكاب أَخطاء كتابية أَو إِعرابية، واحترام قواعد اللغة لتكون الكتابة مرآةً لعقل التلميذ المنظّم المضبوط.

          أَين نحن اليوم من كل هذا؟ وإِذا كانت أَداةُ اللغة السليمة ثمرةَ العقل السليم، فأَيُّ عقل يبقى سليماً حين يُـفرز لغةً هجينة بأَحرف هجينة وكتابةٍ هجينة وطريقةٍ هجينة في المخاطبة؟ وأَيُّ تواصل سليمٍ يَـنتُج عن الأَداة الهجينة؟

          لا أُنكر هنا فضلَ التكنولوجيا وما بلغَـتْه فسهَّلت حياتنا اليومية باختراعاتها. لكنّ التكنولوجيا خادمةٌ عندنا ولسنا نحن خدّامها كي تتحكَّم بنا فتلتَوي عقولُنا وتندهسَ عقليّــتُــنا بطريقةِ كتابةٍ لامسؤُولةٍ تؤدّي إِلى انهيار كلّ منطق في العقل.

          التكنولوجيا؟ فَلْنَستخْدمْها باللغة اللائقة وطريقة الكتابة المسؤُولة، لنكون أَبناء العصر بوسائل العصر ووسائط التواصل من دون إِطاحة القواعد الأَخلاقية واللغوية، كي ننقل إِلى جيلنا التالي إِرثـاً يستعمل التكنولوجيا أَداةً لتطوير حياته لا لـهَدْم إِرثه المجيد.


* “النهار” – السبت 12 كانون الأَوّل 2015

ممنوع التعليق