أزرار- الحلقة 894
كي لا تضمحلّ فَـــتَـــزُول
السبت 30 أيار 2015

في علم الأنتروﭘـــولوجيا أَنّ الإِنسان الأَوّل كان يَدُبُّ على الأَربع، ثم أَخذ يستقيم حتى بات يمشي على قدَمَين. وكان له ذيلٌ لم يعُد يستعمله فاضمحلّ ولم يبقَ منه اليوم سوى العُصعوص (أَسفل فقرة في العمود الفقري). وكان معدَّل عمره قصيراً وأَخذ يحسِّن معيشته فازداد المعدَّل لا بإِطالة الحياة بل بتقليص أَسباب الموت المبكِّر بفضل اكتشاف الأَدوية والعلاجات وتحسين الطعام والرفاه الجسدي.

          وما ينطبق على التطوُّر الأنتروﭘــولوجي ينطبق على التطوُّر البيولوجي والاجتماعي جينياً وبيئياً وغذائياً وحياتياً بعناصر يحتاج إِليها الإِنسان وتنعكس عليه إِيجاباً فيتطوَّر وينمو ويضمحلّ ما لا يحتاج إِليه.

          ومن التطوُّر الاجتماعي تطوُّرُ الدولة التي يعيش في مجتمعها الإِنسان. هي أَيضاً تنمو وتتطوّر بـعناصر يحتاج إِليها مواطنوها ويضمحلّ منها ما لا يعودون في حاجة إِليه، شرط أَن تكون العناصر المضمحِلَّة لخير الدولة لا لاضمحلالها.

          ومن العام إِلى الخاص، إِلى دولتنا: ما الناشطُ في عناصرها؟

          منذ عشر سنوات لا ميزانية لها، وتعيش على أُوكسيجين القاعدة الاثني عشرية.

          منذ سنوات لا مناصب عليا ممتلئة في كوادرها محلياً (في الوطن) أَو دِﭘـلوماسياً (في سفاراتها) لإِحالة كبار المسؤُولين إِلى التقاعد أَو بسبب الوفاة، وتعيش الدولة على مَن تيسّر بعدهم درَجةً أَو رتبةً، بالوكالة أَو بالتكليف أَو بالإِنابة.

          منذ سنوات لا قانون انتخاب عصرياً فيها، بـحُجّته مدَّد “نوّاب الأُمّة” ولاية مجلسهم كي يَدرسُوه ويَطْلَعوا علينا بقانون جديد، ولا يزالون عاجزين عن “اكتشافه” أَو “اختراعه” أَو “اجتراحه”، وها هم ممدَّد لهم هانـئُـون، ولا يمدِّدون نشاطهم كي يتمدَّدوا على قانون جديد. والوقت يمضي والعمر يمضي وهم ماضون في تمديدِهم بلا جدوى.

          ويتمطّى الزمن، والأنتروﭘــولوجيا تُحاسب: إِذا مهمّةُ الدولة أَن تَتَطوَّر وتُطوِّر مواطنيها حتى تنمو وتزدهر، فنَكبةُ الدولة أَن تضمحلّ عناصرُ فيها لم تعُد تستعملُها ولا تحتاجُها، حتى يجيء وقتٌ تضمحلّ فيه الدولة وتزول.

          وإِذا رأْسُ الدولة هو المرجع الأَوّل، فها عندنا مرّت سنةٌ كاملة والدولةُ بلا رأْس، كأَنه عنصرٌ ليست في حاجة إِليه ويمكنها أَن تستغني عنه حتى يضمحلَّ فـيزول، وفي اضمحلاله تهديدٌ بـزوال الدولة فالوطن، وما قيمة أَرض اضمحلَّت دولتُها فــزال وطنُها؟

          وفيما تواجه المنطقة حولنا إِعادةَ رسم خرائط وحدود وجغرافيا وديموغرافيا، وتتهيَّأُ الدول لهذه التغيُّرات الدراماتيكية، أَخشى أَن يجيءَ يومٌ قريبٌ تَدْهَـمُـنا فيه هذه التغيُّرات، ونحنُ في دولة مفكَّكة مضمحلَّة، فلا يكون لنا مكانٌ في موزايـيك الخرائط الجديدة.

ممنوع التعليق