أزرار- الحلقة 887
بحثاً عن بطل لا يكونُ من ورق
السبت 4 نيسان 2015

          مطلعَ هذا الأُسبوع أَطلقَت “هيئة النقد” في باريس إِلى التداول قطع عملة معدنية (فئة 10 يورو) تحمل شخصية “أَسْتيريكْس” موزَّعةً على 13 محفورةً مختلفة: 4 للحرية، 4 للمساواة، 4 للأُخُوّة، وقطعة واحدة للسلام (فئة 50 يورو)، وروَّجَت لها بـحملة واسعةٍ شعارُها “أَستيريكْس وقيَم الجمهورية: حرية، مساواة، أُخوّة”، الثلاثية التي أَطلقتْها الثورة الفرنسية (1789) ودخلَت في المادة الثانية من دستور الجمهورية الفرنسية سنة 1958.

          يلْفت في هذه الظاهرة اعتمادُ “هيئة النقد” شخصيةً وطنيةً شعبيةً شهيرة من القصص المصوَّرة أَطلقَها فرنسيان في 29/10/1959: كاتب السيناريو رنيه غوسِّـيني (1926-1977) والرسَّام الكاريكاتوري أَلبير أُودِرْزو (ولد 1927) سمّياها “أَستيريكْس”: محاربٌ شجاع ذكي أَيام كان الرومان يحتلُّون بلاد الغال (فرنسا وبلجيكا وبعض إِيطاليا وأَلمانيا) يتناول الشراب السحري ويدافع عن قريته ضد محاولات يوليوس قيصر احتلالَها، يعاونه زميله الغالـيُّ الآخر “أُوبيليكْس”.

          ومن أَيام الرومان في القرن الأَول قبل المسيح يعود البطل الغالـيُّ في القرن الحادي والعشرين شخصيةً تحمل قـيَمَ الجمهورية مصكُوكةً على عملةٍ موضوعةٍ في التداوُل بأَوسع الطرق انتشاراً بين المواطنين. فليس كالعملة ترويجاً للرمز الوطني بين الناس.

          أَسوقُ هذه المقدمة لأَتساءل: مَن هو البطل العربي الذي يُمكن صكُّ شخصيته على العملة انطلاقاً من القصص العربية المصوَّرة ويحمل قيَماً عربية لوضعها في التداوُل؟ أَستعرض شخصياتٍ من مجلات قصص مصوَّرة: “جحا”، “السندباد”، “علي بابا”، “أُسامة”، “سمير”، “بساط الريح”، “طش فش”، شخصيات من “أَلف ليلة وليلة”،… فلا أَرى بينها شخصيةً واحدةً تحمل قيَماً من تاريخنا أَو عاداتنا يمكن أَن تكون رمزاً لهذه العادات ومفاصل التاريخ.

          الأَوطان التي تخلّد تراثها تستنبط طرائقَ ووسائلَ ووسائطَ تبلُغ أَن تصكَّ على عملتها شخصياتٍ وطنيةً تنقلها من الورق. وأَقول “وطنية” بـمعنى الرمز الشعبي التاريخي لا بـرمزٍ سياسي نَجِدُه على عملاتٍ عربيةٍ حاملةٍ صورَ ملوكٍ ورؤَساء، وهو أَمر مشروع وطبيعي وفي التداول لدى دول كثيرة من العالم.

          أَقول هذا فيما العالم العربي يـبحث عن بطل وطني شعبي يجسِّد وحدة الشعب ومحاربة أَعداء تاريخيين أَو طارئين، ذي مواقف بطولية تاريخية لا يجترحها أَبطال من ورق في مجلة أَو رواية أَو مسرحية أَو مجلَّد تاريخ بل يختصرها رمزٌ من الواقع يتكرَّس عنوان المرحلة فيتخلَّدُ يوماً مصكوكاً على عملة يتداولها الناس اعتزازاً برمزهم الوطني.

… على أَمل أَلاّ ننتظره طيلةَ ما انتظر أَستريكْس: بين القرن الأَول قبل المسيح والعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ممنوع التعليق