نقطة على الحرف- الحلقة 1196
لا يَنخسفونَ ولا يَنكسفون
الأَربعاء 25 آذار 2015

 

            هَلَع اللبنانيّون، نهار الجمعة الماضي، من ثلاث ظواهر طبيعية هبطَت عليهم دُفعةً واحدة.

الأُولى: اعتدالُ الشمس الربيعيُّ يتساوى معه الليل والنهار، الثانية: بُلوغُ القمر حجماً عملاقاً يَحجُب نور الشمس فيَحدُث كسُوفٌ كاملٌ يُحَوِّل النهار ليلاً، والثالثة اكتمالُ القمر بدْراً مع بلوغه أَقربَ مسافةٍ من الأرض (نحو 400 أَلف كلم).

          قلتُ إِن اللبنانيين هلَعوا للظواهر الثلاث تَحدُثُ معاً في يوم واحد وهي لا تَحصَلُ إِلاَّ منفردةً كلَّ بضعة عقود، خصوصاً أَنّ علماء الفلك لم يَجدوا تفسيراً لهذا الحدوث الثلاثي المتزامن، وأَقلقوا الناس بالتنظير أَنّ في الفلك ما لا نفهَمُه، فقد تكون تلك الثلاث نذير شؤم أَو فأْل خير.

          ولأَن اللبنانيين شاطرون بالتفسير والتحليل والتنظير، غرِقَ بعضُهم في التشاؤُم، بعضُهم الآخر في التفاؤُل، وظلَّ قسمٌ مشكِّكاً على “تَشاؤُل” (التفاؤُل والتشاؤُم معاً).

          غريبٌ هذا الأَمر ومُقْلق: الغرابةُ في هلَع الناس من ظواهر طبيعية قد تكون عادية وتحصَل كلّ عشراتٍ أَو مئاتٍ من السنين في هذا الجلَد العالي الوسيع حولنا، والمقلقُ أَلاّ يَهلعوا من غير الطبيعيّ ويجعلوا الشواذ طبيعياً فيعتادوا عليه.

          الطبيعيُّ هو ما يحصل في الفلك الهائل حولنا. وغيرُ الطبيعي أَن يعتاد اللبنانيون طبيعياً على بلدهم بدون رئيس جمهورية، وعلى مجلس نيابي يمدِّد لأَعضائه تلقائياً، وعلى حكومة تَحرَنُ أَياماً وتحردُ أَسابيع وتعلِّق اجتماعاتها حتى “تبتكر” أَو “تخترع” أَو “تجترح” آليةَ عمل لتسيــير شؤُون الناس، وأَن يعتاد اللبنانيون على مناصب عليا تتهاوى تباعاً لبلوغ شاغليها السن القانونية وتبدأُ المشادّات السياسية بين التمديد والتعيين ومن يُعيِّن وكيف ومتى، وأن يعتادوا على سفارات أَجنبية تَفرَغُ من سفرائها وساكنُ قصر بعبدا لم يصل بعد إِلى بعبدا كي يقتبل أَوراق اعتماد الخلَف بعد رحيل السلَف، وأَن يعتادوا على موازنة غابت قبل عشر سنوات ومنذ 2005 لا تزال القاعدة الاثنا عشرية سائدة في الصرف العام، وأَن يعتادوا على تعطيل استحقاقاتٍ سياسية مُعَطِّلوها آخذون وقتَهم بالتفاهم والحوار والتلاقي وإِرسال موفدين واستقبال مفاوضين، وأَن يعتادوا على اقتصادٍ يتخلخل في مسار انزلاقيّ خطير، والوطن ينسحب من بين أَصابعهم كالرمل الناعم وهُم غافلون يتناوَلون كل ذلك في أَحاديثهم الخاصة والعامة كأَنَّ ما يَحصَلُ يَحصلُ في بلاد الآخرين.

          اللبنانيون يخافون كُسُوف الطبيعة ولا يخافون كُسُوف الوطن.

          يتفرَّجون على الخُسُوف من نظَّارات خاصة، ولا يرون الخُسُوف من نظَّارات الوطن.

          والسياسيون عندنا جاثمون على صدور اللبنانيين أَباً عن جَدٍّ لا ينخَسِفون ولا ينكَسِفون، لأَنّ تداوُل السلطة في عُرفِهم يحصل في بلاد الآخرين. وما لهم ولبلاد الآخرين؟ قرَّروا النأْي بالنفس وارتاحوا.

وهنيئاً لنا هذا النأْيُ عن وطنٍ سيظل ينأَى حتى نصير نازحين في بلادنا ونحن نردِّد: “هذا لا يحصل عندنا بل في بلاد الآخرين”.

                                                                                هـنـري زغـيـب email@henrizoghaib.com  

ممنوع التعليق