صباح

… ابنة ذاك الرعيل

          الحديثُ عن صباح ليس عن مجرّد مغنّية وحسب. المغنّيات في بلادنا أَكثر من رمل شواطينا، ومعظمُهُنّ في الساقط من الكلمات والأَلحان وبعضُهنّ حتى من الصوت.

          مع صباح، وإِن هي في الأَداء وحده، دون تعاطيها الكتابةَ أَو التلحينَ، أَو حتى تَدَخُّلها (كبعض المتعدِّيات) في النص أَو اللحن، نحن أَمام شخصية أُخرى موازيةٍ جمالَ الصوت، هي شخصية الحضور.

          تلك سيدة “حاضرة” في الوسَط الغنائي، بين مصر ولبنان، وحضورُها لم يكن ثانوياً ولا في مرحلة. البَصمة التي تركَـتْها تتعدّى وحدة الأُغنية (كعمل فني متكامل) إِلى وحدة العمل الذي يحمل صوتها ووجهَها والحضور.

          مع صباح لسنا مع الصَّوت وحسب. والأَناقةُ التي كانت هويتها الفنية لم تكن ترفاً أَو غواية، بل طابعاً وَسَـمَها فوسَم معها كل إِطلالة لها أَياً يكن مكانُ الإِطلالة.

          تلك الوسمة لم تقتصر على الأُغنية، وإِلاّ لَـما كان لنا في غيابها أَن نقول إِلاّ كلمات رثاء مكرَّرة لم يعد لها معنى من القلب بل من الدبلوماسية الأَدبـية.

          وَسْـمَـتُها أَنّ إِرثها الفني انتقل من الأُغنية إِلى المشهدية بين المسرحية الغنائية والفيلم الروائي والفيلم الاستعراضي واللوحات الحوارية وصولاً حتى إِلى الشانسونييه. وفي كل موقع تُطل منه كانت دائماً هي ذاتها: الحضور اللطيف الحامل صباحات الفرح والبسمة والأَمل الذي يجعل الحياة مَرِحَةً دَمِثَةً هانئَة.

          لم تحمل لبنان في حضورها فولكلورياً في الإِطار بل كانت منه في القلب. بقي ولاؤُها له تاماً مع وفائها لـمصر التي أَطلقَتْها إِلى العالم العربي منذ مطالعها، استمراراً إِلى أَفلام تقاسمت نُجُوميّتها مع أَعلام التمثيل الكبار في مصر. لم تَجحد فضْل مصر ولا جحَدَت انتماءَها اللبناني. من هنا احترمها الجميع وأَحبَّها اللبنانيون.

          والإِرث الذي تركتْه بعدها سيبقى نابضاً في ذاكرة الفن اللبناني المعاصر شرط أَن يتناولَه الإِعلام مرئيُّه والمسموع تَدَاوُلاً دورياً أَو شبه دوريّ في أَركان خاصة ضمن شبكة البرامج فيكون له حيّز دوريٌّ تطلّ منه صباح في “ركنها” الدائم.

          أَقول “الركْن” وأَفكّر في الإِذاعة اللبنانية التي كان فيها سابقاً “ركنٌ” للكبار، تختلف مدّته بين ربع ساعة ونصف ساعة. هكذا فلْتُعيّن الإِذاعات أَو التلفزيونات “أَركاناً” لأَركان فننا اللبناني – وصباح هنا نموذجاً – فيستعيد المتلقّي، وخصوصاً الجيل الجديد، أَمجادها على أَدراج هياكل بعلبك (“أَرضنا إِلى الأَبد”، “الشلاّل”، القلعة”، والرائعتين الرحبانيّتين: “موسم العز” و”دواليب الهوا”) أَو حضورها في المدينة مع مسرَحَي “فينيسيا” و”الـمارتينيز”، وتستقيم الذاكرة في أَعمال الأَخوين رحباني ووليد غلمية وروميو لحود وسواهم ممن نحتُوا لصوت صباح أَغصاناً من ثمار الأُغنية اللبنانية والمسرح الغنائي اللبناني والتراث الفولكلوري الذي كانت فيه “أُوف” صباح تمتدُّ كما من لحظة الفجر حتى لحظة الغروب وهي سابحة في موّال يحمل إِلى الحاضر ذائقة الأَمس الشعبي اللبناني.

          مع صباح، نحن إِذاً أَمام حضور يتعدى كونها مجرد “مؤدّية” ليبلغ ثَبات الحضور.

          إيمانُها بما أَعطت، وانضباطُها في الخُلُق الفني العالي نابعاً من طبيعتِها الريفية النقيّة بنتِ البيت الأَصيل، جناحان حمَلاها طيلة عقود إِلى فضاء عمل فني نقي جعلها ابنةَ ذاك الرعيل الذي جعل من النغْمة اللبنانية سفيرةَ لبنان إلى العالم: جمالَ صوت، وجمالَ أَداء، وجمالَ نــيّــة تعرف كيف تحمل بلادها إِلى جميع النـيّـات البِـيـض.

__________________________________

http://assafir.com/Article/1/387662

ممنوع التعليق