حرفٌ من كتاب- الحلقة 174
“البَيَارتة… حكاياتُ أَمثالهم ووقائعُ أَيامهم”- المحامي عبداللطيف فاخوري
الأَحـــد 22 حزيران 2014

vdl_174_Beyrouthins

           “البيارتة” صيغةُ جمعٍ أَكثرُ انتشاراً من أَخْذه بـــ”الواو والنون” كـ”الدماشقة” عن الدمشقيين و”البغادنة” عن البغداديين والمشارقة والمغاربة والغساسنة والمناذرة سواهم. و”البيارتة”، تحديداً، جمعُ كلِّ بيروتي مولداً وموطناً ومسكناً ومقاماً ومنزلاً وحتى هوًى. فبيروتُ التي لم تَعرِف التعصُّب الطائفي أَو المناطقي أَو المذهبي أَو الطبقي شكَّلَت قِـــيَــمَـها العالية وَفَرَضَتْها على كل وافدٍ حتى قيل إِنّ “البيروتية هوية”، لأَن البيروتي، بقدْرما يُحقّق تلك القِيَمَ العليا، يحقُّ له أَن يُعتَبَر من البيارتة، وإِلا فهو خارجهم.

هذا المقطعُ البليغُ وَرَدَ في تقديم المحامي عبداللطيف فاخوري كتابَه “البَيَارتة… حكاياتُ أَمثالهم ووقائعُ أَيامهم“، الصادرَ سنة 2011 في 888 صفحة حجماً موسوعياً كبيراً ضَمَّ إِلى النص الجميل وثائقَ وصُوَراً ورُسوماً بيانيةً وأَشجارَ عائلاتٍ بيروتيةٍ أَصلاً وفصلاً وأَنساباً.

ينطلق المؤَلّف من كون بيروت قلعةً ورباطاً ساحلياً بين الداخل العربي وسائر الأَقطار الأَجنبية، ومرفأً تجارياً كرّس تقاليدَ وأَعرافاً، ومدينةً للتسامُح والتعاوُن، ومركزَ علْمٍ وفقْهٍ وقانون، منذ مدرسة الحقوق الرومانية، مروراً بتعاليم الإِمام الأُوزاعي، وبُلُوغاً نهضتَها العلْمية والأَدبية في القرن التاسع عشر، منارةً حضارية لسائر الشرق.

ويعرض المؤَلِّف في كتابه لُـمَحاً من الثقافة الشعبية العامة وحوادثَ تاريخيةً واجتماعيةً وثقافيةً وفنية، وأَمثالاً وكناياتٍ وحركةَ اصطيافٍ وسياحة، وأُصولَ بعض العائلات البيروتية، ومعلوماتٍ جديدةً عن نُشوء الأَعمال المصرفية في بيروت، وعن أَعمال البِرّ والخير والمعروف، وبياناتٍ للأَحوال القضائية والقانونية والأَمنية، وقضايا شهيرةً تردَّدَت في حينها، وأَعرافاً وتقاليدَ بيروتيةً سادَت في عصرها، وأَحوالَ أَصحابِ المهن الحُرّة والتجّارِ والحِرَفيّين وأَهلِ التصوف، وأَعرافاً وأَساطير مجهولةً تردَّدَت في القصص والروايات والأَمثال، وطرَّزَ المؤَلّف صفحاتِ كتابه الغنيةَ بقصائِدَ وأَبياتٍ جَرَت غالباً مَجرى الـحِكَم والأَمثال على أَلسنة البيارتة.

تصميم الكتاب واضحٌ: الأَمثال وما إِليها، متسلسلةً على الأَحرف الأَبجدية، من حرف الأَلِف ابتداءً من مثَل: “إِبن حلال كنا بسيرتك” إِلى حرف الياء ختاماً بِـمَثَل: “يـي عليكم يا بيت عـزّ الدين”، ضامّاً على هذا النحو السائغ مئاتٍ من الأَمثال، بعضُها بالفصحى والآخَر بالمحكيّة العاميّة كما تَـتَداولُها الأَلسن والذَّاكِــرات.

وفي نهاية الكتاب ثبْتٌ بمصادرَ ومراجعَ: مخطوطاتٍ ومصنفاتٍ قديمةً مطبوعةً، وأَعداداً من مجلاتٍ وصحُفٍ محتَجِبة.

وفي ثنايا الكتاب صُوَرٌ لـمشاهدَ ومناسباتٍ ووثائقَ شرعيةٍ وقانونيةٍ وعائليةٍ قديمةٍ وإِعلاناتٍ تجاريةٍ وصحافيةٍ طريفةٍ وكاريكاتور من أَيام زمان، وسيّداتٍ بيروتياتٍ رائداتٍ ورجالٍ بـيارتةٍ من ذاك العهد الذهبي، حتى ليمكِن القول إِنّ هذا الكتابَ مدينةٌ كاملةٌ بين دفتين.

وبَــيِّـنٌ جِداً جهدُ عاشق بيروت وجامع تراثها المحامي عبداللطيف فاخوري في الجمْع والتقميش والتدوين والتنسيق، والانصرافِ الدَّؤُوب إِلى إِعداد هذا السِفْر البيروتي النادر، يضافُ إلى كتبه الأُخرى: “منزول بيروت” (2003)، “ذكريات بيروتية” (2004)، و”رفيق بيروت” (2005) و”تاريخ القضاء الشرعي في بيروت” (2006).

البَيَارتة… حكاياتُ أَمثالهم ووقائعُ أَيامهم” للمحامي عبد اللطيف فاخوري، ذاكرةٌ نابضةٌ تُبقي عبَقَ بيروت أَرَجاً شعبياً وحضارياً دائماً يجعل بيروتَـنا الغالية مدينةَ الـمُدُن وجوهرةَ مدائننا أَمس واليوم وكلَّ يوم.

ممنوع التعليق