حرف من كتاب- الحلقة 148
“تاريخ كفرشيما”- نقولا نجيب الفتى
الأَحَـــد 22 كانون الأَوّل 2013

vdl_148_Kfarchima

          ذكرتُ مراراً في هذا البرنامج كم يجْمُلُ بكل بلدةٍ أَو ضيعةٍ أَو مدينةٍ في لبنان أَن يكونَ لها تاريخُها يكتبُه أَحد أَبنائِها أَو عارفٌ به مُدوِّن، حتى يتكوَّنَ من مجموع هذه الكتابات الفردية سِفْرٌ عامٌّ لتاريخ لبنان يكتبُه اللبنانيون لا المؤرِّخون. وتَأَتّى لبلدات لبنانيةٍ مَن قام بتأْريخها، على أَمل أَن يتواصلَ هذا العمل في كُل بلدة.

          في هذا السياق، أَمامي كتاب “تاريخ كفرشيما” لنقولا نجيب الفتى، في 352 صفحة قطْعاً كبيراً مزوَّداً بوثائقَ وصُوَرٍ ونصوصٍ وتواريخَ عن أَعلام كفرشيما ومعالـمها ماضياً وحتى اليوم. ونقولا الفتى كرّس ردحاً كبيراً من حياته لـجمْع الوثائق عن بلْدته، وعاد فأَصدر في هذا السياق كتابه الآخر “تاريخ عائلات كفرشيما أُصولاً وفروعاً وامتداداتٍ في الوطن وبلدان الاغتراب“.

          كتابُه “تاريخ كفرشيما” بحثٌ موثَّقٌ في أَحوال البلدة قديماً وحديثاً، وقائعَ وعائلاتٍ وعمراناً وتفاصيلَ تسجِّل صفحاتٍ من تاريخها الزمني والبشري، تفتتحُها التسمية الآتية من السريانية ومعناها “قرية الفضّة”، ويكملها الموقع مشْرفاً على بيروت سهلاً ومطاراً بين الشويفات وبعبدا والحدث وبليبل ووادي شحرور، وسهولاً من الزيتون الوفير وباقة قصور وكبرى الدور.

          يُرجِع المؤلِّف تكوينَها إِلى الأَرسلانيين ومآلَها إِلى الشهابيين وكلتا الإِمارتين عمَّرت البلدة واعتنَت بزيتونها ومحاصيله الوفيرة.

          من الآثار فيها: نواويسُ خزَفيةٌ وقصورُ الشهابيين وبينها السراي الكبير وقصر الأَمير بشير الثالث وحارة بيت الشميِّل. ومن ثروتها المائية نهر الغدير وعين الرهبان ومشروع النبع ومياه عين الدلبة. وفيها كنائسُ وأَديارٌ عريقةُ العهد أَبرزها دير القرقفة، كنيسة مار الياس التاريخية وكنيسة مار تقلا وتحتَها ضريح سليم تقلا أَحد مُؤَسِّسَي “الأَهرام”، وفيها أَعيادٌ دينية وجمعياتٌ خيرية ومناسباتٌ اجتماعية، وفيها أَعلامٌ كبار من أَهل العلم والفكر والصحافة، في طليعتهم الشيخ ناصيف اليازجي، وابنُه الشيخ ابرهيم، والأَخوان سليم وبشارة تقلا اللذان أَسسا في الإِسكندرية جريدة “الأَهرام” سنة 1876 وبعد وفاة سليم نقلها أَخوه بشارة إِلى القاهرة سنة 1898 وهي اليوم أَقدمُ جريدة عربية لا تزال تصدر. ومن كفرشيما الدكتور شبلي الشميّل، الشيخة وردة اليازجي، لبيبة الهاشم صاحبة مجلة “فتاة الشرق”، الشاعر المهجري الياس فرحات، وحديثاً النائب والوزير إِدوار حنين والسفير إِدمون خياط، وأَديب الفتى، وبيار صادق، وشاعرا الزجل الياس وميشال قهوجي، والفنانون حليم الرومي وفيلمون وهبه وعصام رجي وملحم بركات.

          أَول مجلس بلدي في كفرشيما يرقى إِلى 1915، وأَقدمُ جسر يرقى إِلى 1890 على زمن واصا باشا، وكان الجسر الوحيد الذي يربط بيروت بمناطق الشوف والجنوب. وفي كفرشيما معاصر زيت وصناعة صابون وأَفران وصناعاتٌ خزفية وسواها.

          في كتاب “تاريخ كفرشيما” رسم نقولا الفتى صورةً لبلدته شاملةً أَرضاً وشعباً وتاريخاً، ما يـجعلُها واحةً أُخرى من لبنان ثريةً بأَبنائها، غنيةً بتراثها، كريمةً بعطاءاتها كمعظم بلْداتٍ أُخرى في لبنان لكنها تنتظر مَن يقوم لها فيُؤَرِّخها ويُبقيها في ذاكرة المستقبل واحاتٍ يكتُب مجموعُها تأْريخاً عاماً ناطقاً لتاريخ لبنان.

ممنوع التعليق