1129: حالُ لـبـنـان… بين الـقِـرد والـغَـيْـلَـم
الأَربعاء 11 كانون الأَوّل 2013

          في حكايات “كَليلة ودِمنة” أَمثالٌ على أَلسنة الحيوانات رامزةٌ مباشَرةً إِلى أَحوال الناس في مواضِع ومواقِع ووقائِع.

          من تلك الحكايات نُسقِطها على حالِنا في لبنان اليوم:حكايةُ القِرد والغَيْلَم (ذَكَرُ السُّلَحْـفاة)، رواها الفيلسوف بَيْدَبا للملِك دَبْشَليم عن قردٍ مَلِكٍ هرِمَ في الـمُلْك وأَزاحه عن الحُكْم قردٌ شاب فانعزل القِرْدُ الهَرِمُ إِلى شاطئ البحر تحت تينةٍ راح يقطِف منها ويأْكلُ حتى سقَطَت منه حَبَّةُ تينٍ فالتَقَطَها غَيْلَمٌ في الماء والتَهَمَها. استطاب القِرد رَنَّة التينة عند سقوطها في الماء فجعَلَ يَرمي حبوبَ التين مستمتعاً بصوت سقوطها، والغيلمُ يتلقَّفُها ظنّاً منه أَنّ القردَ يرميها إِليه إِحساناً فأَخرج رأْسه فوق الماء وشكَر القِردَ فتصادقا ولبثَا يُمضيان الوقتَ معاً حتى قَلِقَت على الغيلم زوجتُه السُّلَحْـفاة، وعلِمَت من جارتها أَنه يُمضي وقتَه مع القِرد وأَنْ ليس من وسيلةٍ ليعود إِلى البيت إِلا بإِهلاك القرد. فتَقَت في بال السُّلَحْـفاة الزوجةِ الحيلةُ فراحَت تُنهِكُ جسَدها حتى أَصابها النحول. ويومَ عادَ زوجُها ووجدَها على هذه الحالة استفْسَرَ فأَجابَت الجارة أَنّ داءَها مُسْتَعصٍ وليس له إِلاّ دواءٌ واحد: أَن تأْكُلَ قَلْب قِرد. صعُبَ على الغَيْلَمِ الإِتيانُ بقلْبِ قردٍ وهو لا يعرف من القرود إِلا صديقَه. لكنه فضَّل شِفاء زوجته على صديقه القرد فعاد إِلى الشاطئ ودعا القِرد إِلى زيارته فوافق وامتطى ظَهر الغَيْلم. في وسَط المياه أَخبرَهُ الغَيْلمُ عن مرَض زوجته وأَنْ لا شِفاءَ لها إِلاّ بِأَكْلها قلبَ قرد. فَهِمَ القردُ نيةَ دعوته ففَتَقَتْ له فوراً حيلةُ خلاصه من الموت وبادر الغَيْلمَ أَنه بكلّ سُرورٍ يُهدي قلبَه إِلى زوجةِ صديقه لكنه، مع الأَسَف، ترك قلبَه على الشاطئ تحت التينة وطلَب من الغَيْلَم أَن يسبح به عائداً كي يأْتيه بقلْبه. انطَلَت الحيلةُ على الغَيْلَم فعادَ إِلى الشاطئ حتى إِذا بلَغَهُ قفَزَ القرد إِلى البر فاعتلى التينة وبادَرَ الغَيْلَم: “لن أَكون كالحمار الذي عاد إِلى الأَسد كي يأْكلَه. إِعلَمْ يا ناكرَ الفضل وقليلَ الوفاء أَنَّ من ظَفِرَ بأَمرٍ لم يُحسِن الاحتفاظ به، أَضاعَ ما أَصاب”. ويَختُم ابنُ المقفَّع الحكاية بعبارة: “هذا مَثَلُ مَن طَلَب أَمراً، حتى إِذا استَمْكَن منه أَضاعه”.

          هكذا حالُ البعض من زعماء السياسة اليوم في لبنان: ظَفِرُوا بلبنانَ معافًـى سيِّدَ قرارِه حرَّ السيادة زَهرةَ بلدان محيطه، فتآمَرُوا عليه وفضَّلوا عليه السوى والخارج يدفَعُهُم الطمَعُ والجشَعُ فوقَعوا في أَشراك الخُبْث والـحِيَل ظنّاً منهم أَنْ يَظْفَروا بقلْب القرد فيَتَسَلَّطوا، لكنّهم كانوا الغَيْلَمَ الـمُغَفَّلَ ولم يظفَروا بقَلْب الوطن.

          وكم في لبنانَ اليوم غيالِـمُ مَكْرٍ في أَثواب زُعماء، على وجوههم الخائنة أَقنعةُ الإِخلاص والوطنيّة، في أَكُفِّهم السامَّة قفّازاتُ الولاءِ الكاذب، وفي نواياهم أَظفارٌ ومَـخَالبُ لنَهْش قلْب الوطن وتقديـمِهِ إِلى أَسيادهم لقاءَ سُلْطةٍ يَـنْـوُونها على أَهل الوطن.

          سوى أَنّ لبنان، قاهرَ الـمُؤَامرات مدى تاريخه العريق، لن يقعَ فريسةَ غَيْلَمٍ خائنٍ أَو قناعٍ زائفٍ أَو قفّازٍ زائل، وسيَبقى أَقوى من الـمؤامرات عليه، لأَنَّ فيه مُـخْلِصين يَتَوَلَّون أَمرَه ولا يقَعُون ضحايا غَيالِـم السوء، بل يُنقذون بإِخلاصهم لبنان وشعبَ لبنان ومصيرَ لبنان من كُلّ غَيْلَمٍ ومتآمرٍ ومُـحتال.

                                                                                هـنـري زغـيـب  email@henrizoghaib.com

ممنوع التعليق