كـتاب – الأخوين رحباني: طريق النحل

Tari2 el-Na7el          سيرة موسّعة لحياة الأَخوين رحباني كما رواها منصور عن مسيرته وشقيقه عاصي، منذ طفولتهما في أنطلياس ومحاولاتهما الأُولى في المسرح والتلحين، ومفاصل رئيسىة فتحت لهما فرصَ الانطلاق بموهبتهما، من إِذاعة الشرق الأدنى إِلى مهرجانات بعلبك، إِلى ما بعدها من العمل: أُغنياتٍ ومسرحياتٍ وبرامجَ وأَفلاماً، طوالَ سنواتٍ من ضنى إِبداعي مُرهِقٍ شكَّل مع صوت فيروز ركيزةً فنيةً للفن الموسيقي والغنائي اللبناني حملتْه إِلى أَقاصي الأَرض.

          وفي الكتاب مجموعة من المعلومات والوثائق والصُّوَر تَصدُر للمرة الأُولى.

(2001- مطبعة رعيدي- 336 صفحة)

1 – تلك الطفولة الغريبة على فوار أنطلياس

          منذ ما يزيد عن نصف قرن، بدأ نجمان في لبنان يسطعان بنورٍ مغاير على الفن اللبناني. بدا كأنهما جاءا عكس التيار. وما هي حتى طبعا ببصماتهما مسيرةَ الفن في لبنان، حتى لم يعد ممكناً أيُّ كلامٍ على الفن في لبنان والعالم العربي من دون التوقف عند عاصي ومنصور الرحباني.

إنها حكاية ثلاثة أجيال: جيل رافق صعودهما، وجيل عاش على روائعهما، وجيل جديد يستمع اليوم إليهما بذاكرةٍ بيضاء.

___________________________________________________

حكايتنا، عاصي وأنا، قصة شقيقين كأنهما توأمان، ربيا في ظلّ الأسئلة الكبيرة، وطرحا الأسئلة الكثيرة، وقالا بالكلمة والنوطة ما اعتقدا أنه بعض الجواب. لكنهما لم يقطفا أبداً أيَّ جواب.

إنها حكاية طفولة غريبة ترعرعت بين حفافي نهر الفوار وشجر الحور والصفصاف ووعر الجبال والصخور ومغاور أنطلياس التاريخية… حكاية الفقر والحرمان حتى الوجع المر، والبكاء الصامت الذي ينتهي دموعاً حافية على أطراف مخدة ممزقة فوق فراش عتيق.

حكايتنا، عاصي وأنا، مجموعةُ لوحات طفولةٍ بريئةٍ كانت تشتهي ما لا تطاله العين، وتحلم بما لا تطاله اليقظة، وتكبر على أخبار عنترة والقبضايات وكراسي الزبائن في مطعم الفوار تتردَّد بعد رحيلهم أنغامَ بُزُق القبضاي “شيخ الشباب” أبو عاصي.

في ظل والدنا حنا عاصي الرحباني، الشخصية الغريبة والقريبة معاً، نشأنا وكبرنا، عاصي وأنا.

و”أبو عاصي” من حي “عين السنديانة” في الشوير. ينتمي في أصل جدوده إلى قرية رحبة في عكار. هاجر والداه إلى مصر إبان موجة الهجرة اللبنانية إثر أحداث 1860 هرباً من جور العثمانيين. وُلِد في طنطا، ويتذكَّر أن ولادته كانت سنة ثورة عرابي باشا (1882). عاد فتىً الى بيروت، وسكن في حي الرميل، مشتغلاً لدى نسيبه الصائغ ديب عاصي (ما زال أبناؤه وأحفاده حتى اليوم يتعاطون المهنة، أَصحابَ “محلات عاصي للمجوهرات” في بيروت). كان حنا يطمح أن يكون صائغاً محترفاً. لكنها مهنة لم تكن تدرُّ عليه كما يرغب، فيما مهنةٌ أخرى شائعةٌ عهدئذٍ، كانت تدُرُّ مالاً أوفر: مهنة القبضايات. لذا كان يقبض أجرته الأسبوعية، ويذهب مع بعض قُطَّاع الطرق إلى ضهر البيدر أو وادي اللَّبِّيش مع “الطيَّاحين” (الطائحين) فيعود بمغانمَ أكثر. وشخصية “القبضاي” ترددت لاحقاً في غير واحد من أعمالنا (منها “أبو أحمد” في فيلم “سفر برلك”، والقبضايات في مسرحية “لولو”).

Tari2 el-Na7el0  Tari2 el-Na7el01

2) المسرحيات الأولى:

فشل فني ينتهي بضرب عصي وهرب في بساتين الليمون

بعد طفولة اتسمت بالغرابة بين مقهى فوار أنطلياس ومقهى المينبيع وحكايات من الجَدة ملأى بالأساطير الشعبية، كبر عاصي ومنصور الرحباني إلى فتوة أخذَت تشهد مطالع الخطوات الأولى في الكتابة والموسيقى. وهي مطالعُ شحنَها بالنضج راهبٌ كان له تأثيرٌ كبير على موسيقاهما، وشهدَت تمثيليات في أنطلياس بدأ معها يتبلْوَرُ ميلٌ إلى الخشبة لديهما، تفجَّر لاحقاً أعمالاً مسرحية وغنائية.

______

Tari2 el-Na7el02

_________________________________________

3) في أنطلياس، بين دكّان “أبو عاصي” والبيت، بدأت مواهب عاصي الكتابية تتفتح.

وكان البداية في مجلة “الرياض” المدرسية (كان يصدرها أستاذنا فريد أبو فاضل الذي انتقلنا إلى مدرسته بعد مدرسة راهبات العائلة المقدية وقبل انتقالنا لاحقاً إلى مدرسة كمال مكرزل).

لكنَّ عاصي أراد أن يستقل بمغامرته الخاصة، في “مؤسسة صحافية” أنشأها عام 1938: “الحرشاية- مجلة أسبوعية فكرية اجتماعية فنية”. كان يحرِّرها وحده، ويكتبها كلها بقلم الكوبيا (الرصاص) بخط يده على دفتر مدرسي (قياس 15/19)، وتتضمن شعراً ومقالاتٍ أدبيةً ونقداً ومشاهدَ مسرحيةً وخواطرَ وجدانيةً ومسلسلات بالفصحى وبالعامية. وحين “يصدر العدد” آخر الأسبوع، كان يدور في الضيعة على سهرات الأصدقاء وجلساتهم الخاصة، يقرأ موادها عليهم بصوته الجهوري ونبرته التمثيلية. وصباح الاثنين يعود ليبدأ بالعدد التالي. كان يكتب افتتاحياته بتوقيع “حرشي”، ويكتب باقي المقالات بأسماء مستعارة وهمية: يوسف بركات، أنيس الحايك، أبو عبيدة، واخترع مراسلين لـ”الحرشاية” في عدة مناطق (كمراسلٍ لها في الزغرين زوّدها مرة بمقابلة مع الأمبراطور الزغريني موسى روحانا).

من قصائده الساخرة، مثلاً، في “الحرشاية”، وكانت المنطقة تعيش أجواء الحرب:

          قد جاء الليل… وظلماته            غمرت أشجار الساحات

          لا بيت يضوي بقنديل               خوفاً من ضرب الغارات

          وبصرتُ بنومي حبيبة قلبي           قد ضربت لي سلامات

          جاءت تخطر مشياً عندي            وهي من أحلى الستات

          فضربتُها كفاً شقلبْتُها                دحرجتها بدون كلمات

          برمَت برمَت برمَت برمَت         شبقَت خلف الكنبايات

 (…)

4) فيروز ومطالع الشهرة

بعد إخفاق عاصي ومنصور الرحباني في سلك الوظيفة، ونجاحهما في أعمال غنائية وموسيقية ومسرحية بدأت في ساحة الضيعة، وتطورت مع نادي أنطلياس، وانطلقت إلى الحفلات في المقاهي والقرى والمصايف، انفتحت فرصة مهمة أمام عاصي لدخول الإذاعة اللبنانية، تَلَتْها فرصةٌ أخرى دفعت منصور أيضاً إلى ترك بزة البوليس العدلي، والانصراف كلياً إلى أعمال بدأت تظهر بتوقيع: “الأخوين رحباني”.

_________________________________________

من الصدف التي تُغيِّر عادةً في مجرى حياة كاملة، أن حضر إحدى حفلاتنا في نادي أنطلياس (عام 1945) صديقٌ حميم للوالد يدعى إيليا أبو الروس. عند نهاية الحفلة، وفيما هو يهنِّئُنا، عاصي وأنا، قال: “يجب ألاّ تَبقَيا محصورَين في أنطلياس، وبحفلاتكما المتفرقة في القرى. يجب أن تصلا أسرعَ إلى أكبر عدد من الناس. والطريقة الوحيدة هي الإذاعة”. ولما لم نكن نعرف أحداً في الإذاعة  (مركزها عهدذاك في السراي القديم)، أرسَلَنا إلى صديق له فيها يدعى ميشال خياط.

وحين التقينا خياط بعد أَيام، أحَبَّ لوننا الجديد، ودعانا إلى اللقاء بلجنة مختصة في الإذاعة كي تستمع إلى أعمالنا. وأمام أعضاء تلك اللجنة (ميشال خياط، نقولا المَنِّي، حليم الرومي، جورج فرح، …) قدَّمنا بعض أعمالنا (“سمراء مها”، “يا ساحر العينين”، “زورق الحب لنا”، …) ففوجئوا بأُغنيات لا تكاد تبدأ حتى تنتهي، في حين كانت الإذاعة اللبنانية فترتئذٍ معتادةً على أعمال مصرية طويلة، أو بدوية متوسطة، وبعض أعمالٍ من نقولا المَنِّي ويحيى اللبابيدي وعمر الزعني وخالد أبو النصر وسامي الصيداوي وفيلمون وهبي وسواهم. وكان ميشال خياط داعماً كبيراً لنا، فَقَبِلَتْنا اللجنة على مضض، وأتاحت لنا تقديم بعض الأعمال من حين إلى آخر.

كانت معظم أعمالنا مكتوبةً للكورس. ولم تكن لدينا مغنية سولو في ذاك الحين، فاضطُررنا مجدداً إلى الاستعانة بشقيقتنا سلوى، وسميناها “المطربة نجوى”. لم يكن صوتها خارقاً، لكنه كان مقبولاً ومعتدلاً يميل إلى الجمال. بدأنا نقدّم أغانينا مباشرة على الهواء قبل عهد التسجيلات. ومن الطُّرَف أننا، مثلاً، عند تقديم أغنيتنا:

برد برد برد                شتي وبرق ورعد

قرّبي النارات               قرّبيهن بعد

 Tari2 el-Na7el03Tari2 el-Na7el04

—————————————————–

من قصائد الكتاب

                                أنا  لَـحـبـيـبـي

                      أنا لَحـبـيـبي           وحبيبـي  إلي

                     يا عصفورَه بيضا           لا بقى  تسألي

                     لا يعتَب  حـدا           ولا يزعل حدا

                                أنا لحبيبي وحبيبي إلي

————————

نحنا والقمر جيران

                                   نحنا والقمر جيران

                     بيتو خلف تلالنا                  بيطلع من قبالنا

                                    يسمع الألحان

                                   نحنا والقمر جيران

                     عارف مواعيدنا                   وتارك بقرميدنا

                                    أجمل الألوان

—————————–

بِيقولو زْغيَّر بلَدي

            بِيقولو زغــيَّر                       بلـــدي

            وبالغضب مسوّر                  بلـــدي

            الكرامِه  غضَب

والمحبِّه غضب                 والغضب الأحلى بلدي

——————————

فايق يا هوى

                      فايق  يا  هوى                    لمْ كنّا  سـوا

                     والدمع سهّرني                    ووصفولي  دوا

                           تاري الدوا حبك وفتّش عَ الدوا

ممنوع التعليق