هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

469: الاصطفاف

السبت 21 تشرين الأول 2006
-469-
في تحديد المعجم: “اصطفّ القوم: وقفوا صفوفاً”، و”الصافّات من الإبل: الواضعة قوائمها صفاً” و”ناقة صَفُوف: تصفُّ قائمتيها عند الحلْب”. وفي جميع هذه الحالات عودة إلى “الصف” الواحد الموحَّد الوحيد خلف أحد أو خلف شيء، وهذا هو الاصطفاف، في الماشية أو في الناس لا فرق.
وما إن أطلق أحدهم كلمة “الاصطفاف” حتى انتشرت بين الكثيرين من الصحافيين والإعلاميين (وما أكثر ما يتناقلون عن بعضهم البعض كلمة تشيع فيستخدمها الكثيرون)، وبين السياسيين (وما أكثر من يتغرغرون ببّغاوياً بكلمات تشيع).
وراجت مؤخراً هذه الكلمة إلى حدّ غسل الدماغ الواعي واللاواعي، الفردي والجماعي، فبات يستعملها الكثيرون للدلالة على الاتّباعية الببَّغائية الروبوتيَّة، أو لإطلاق التهم “الاصطفافية” على الناس عمداً أو عشوائياً وفي كليهما أذى.
راجت إلى حدّ أنْ بات خارج السرب (أو القطيع أو القافلة) مَن ليس في هذا “الصف” أو ذاك، في هذا “المعسكر” أو ذاك، من محاسيب (أو أزلام أو أتباع) هذا “المرجع” أو ذاك من “بيت بو سياسة”.
راجت إلى حدّ أنْ خال البعض (عن خطإٍ وجهل وضلال) أنه مكسور الجناحين إن لم يكن في “صف” مرجع سياسي أو حزبي أو طائفي طالما الدولة ليست نظاماً تنظيمياً نظامياً منظّماً بل قبائل تؤول مرجعيتها إلى سيد كل قبيلة ديني أو دنيوي.
راجت إلى حدّ أن اختلف اثنان (على ما روى لي ثالث كان حاضراً) حول “انتمائي” إلى هذا أو ذاك من “بيت بو سياسة”، قال الأول إنني “أخص” واحداً بينما أصرّ الآخر أنني “محسوب” على الآخَر. وطبعاً لا بُدّ أن لآخرين تنظيراً ثالثاً ورابعاً أو أكثر حول “انتماءاتي”، وينسحب هذا الأمر على كثيرين غيري ممن لا يمكن الناس (البسطاء الناس، المغسول دماغهم الناس، “الاصطفافيون” الناس) أن يتصوروا صاحب قلم أو صاحب رأي أو صاحب موقفٍ حراً وليس “شرّابة” في “خُرج” سياسي.
ما أوجع وأتعس وأصغر (وكدت أقول: أحقر) أن يكون في أبناء شعبنا مَن “تسيّسوا” إلى هذا الحد حتى لم يعودوا يتصوّرون أحداً بينهم ليس حبةً في مسبحة سياسي أو مرجع (ديني أو دنيوي)، أو ليس محسوباً على واحد من أولئك “المراجع”.
ولعلّ ما يعزِّز هذا الجو العام من “الصفصفة” و”التصفيف” و”الاستصفاف”، ما شهده اللبنانيون في الآونة الأخيرة من “اصطفافات” مهرجانية آلافيّة في هذه الساحة أو تلك الباحة أو ذاك المكان، وما يتابعه اللبنانيون من أصحاب أقلام (في الصحافة) وأصحاب آراء (في الإذاعات والتلافيز) محسوبين على هذه الجهة أو تلك من عباقرة السياسة في وطننا المنكوب بهم.
أقول هذا لا لأشير إلى القادة الذين، بكلمة منهم أو خطاب أو إيعاز، يجمعون حولهم أو أمامهم أو رهن أوامرهم آلاف الناس الببغائيين، بل لأُشير إلى هؤلاء الآلاف بالذات ممن يحترفون الهوبرة والتهييص لـ”الشخص” لا للوطن، ويرفعون فوراً عشرات الشعارات واليافطات والعبارات والترديدات والبيارق وأكسسوارات المهرجانات الجاهزة، فينشرح خاطر “الشخص” الشخصاني، وينفّسون هم عن غرائزهم ومشاعرهم وانفعالاتهم السياسية والنكائية والاستفزازية والدينية والطائفية والمذهبية والشخصية.
في بلدان العالم (غير الثالث طبعاً) تحصل هذه الأمور إنما يكون “الشخص” يمثِّل حزباً ذا برنامج يحاسبه الناس على عدم تطبيقه ويقتصّون منه في انتخابات لاحقة أو استفتاءات لاحقة، عكس الذين عندنا “يستصفِفُون” الناس بالآلاف ما سوى لإلقاء خطابٍ غالباً ما يكون لإرضاء غرائز السامعين، من دون أن يقدموا لهؤلاء السامعين برنامجاً يطلبون على أساسه ثقة الناس؟
وليس من مصادفات المعجم أن يشمل بالاصطفاف القومَ والإبلَ والناقةَ، فأوجُه الشبه كثيرة، وفي كثير من الحالات ينتفي الفارق بين الجماهير والقطعان، بين المصطفين والقوافل، بين القبائل والزرائب، بين اصطفاف قوائم الناقات عند الحلب وببغائيات الاصطفاف لسماع خطاب سياسي.