هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

444: هل العربية صالحة للأوبرا؟

السبت 18 آذار 2006
-444-
التجربة الرائدة التي شاهدناها على مسرح “البستان” مساء الخميس أول أمس، تفتح الباب واسعاً على سؤال واسع: “لماذا لم يعرف العالم العربي الأوبرا بالعربية، هو الذي عرف سائر الفنون، ويتابع جمهوره سائر الفنون فيه وفي العالم”؟
الجواب السهل الذي كم سمعناه: اللغة العربية ليست صالحة للأُوبرا كما الإيطالية والألمانية والإنكليزية والفرنسية، والمؤلفون الموسيقيون كتبوا مؤلفاتهم الأوبرالية على كلمات تلك اللغات. والجمهور العربي الذي يقصد صالات الأُوبرا كي يتابع مسرحية أوبرالية لا يجد حرجاً من الاستمتاع بأوبرا يشاهدها بإحدى تلك اللغات، وإن كان لا يفقهها، طالما بين يديه كُتيِّب النص أو ترجمة المشاهد ولو في بعض اختصار، وطالما يعي أن أهمية الأُوبرا هي في الصوت المؤدي وجمال هذا الصوت وتفاعله مع النص الموسيقي المكتوب. وهذا ما يميز الأوبرا عن الخطابة الغنائية المتفشية في أصوات المغنين والمغنيات.
وليست مصادفة أن يحرص كبار المؤلفين الموسيقيين الكلاسيكيين على تآليف أوبرالية (ولو قليلة بين ريبرتوارهم الغزير) طمعاً في بلوغ مجد الأُوبرا فناً عالياً يميّزهم ويرفع من مستوى آثارهم الموسيقية. وعن سيرة موزار أنه كان يعقد جلسات مطوَّلة مع لورنزو دا بونتي (كاتب كلمات أوبرا “عرس فيغارو” وأوبرا “جون جوان”) ويناقشه ويُحاججه كي تأتي الكلمات مطواعة للّحن أو كي يأتي اللحن مطواعاً للكلمات، لشدة الدقة في التأليف الأوبرالي، كلماتٍ ونوطات.
تجربة علي صادق في “تأسيس الأوبرا بالعربية” استقبلناها أول أمس بالترحيب كخطوة رائدة كان لا بدّ منها لتمهيد الطريق أمام جرأة من لم يجرؤوا بعدُ على الإقدام. غير أن هذه التجربة، ككل خطوة أُولى، نجحت في فتح كوّة لكنها لم تنجح في فتح الباب. ذلك أن علي صادق (وكأنه لا يملك العربية بالدرجة المطلوبة لعمل تأليفي من هذا المستوى) حاول في ترجمته أن يكون أميناً للنص الأصلي (بالإيطالية التي يبدو أنه يتقنها) فوقع مرةً في سذاجة التعبير عن المضمون، ومرات في أخطاء لغوية، ومرات كثيرة في “تكويع” بعض الكلمات عند مدّ حروف ليست حروف علة (مدُّها تلقائي) أو عند بتر حروف علة (بترها يلغي وجودها). وهذه نقيصة يقع فيها عادةً ملحنون (ومغنون أيضاً) لا يحترمون النص فيظنون أنهم يطوّعون كلماته الى اللحن حين يمدون حرفاً ذا فتحة أو ضمة أو كسرة، ويختصرون حرفاً ممدوداً بالدوس عليه.
الفارق كبير بين التكويع والتطويع. وهو ما لم يفعله علي صادق حين أخذ على مزاجه يتصرف بتسكين أواخر الكلمات أو استخدام التنوين حيث لا يجب، أو حذف التنوين حيث هو ضروري، أو اختزال السكون كأن الحرف الساكن غير موجود، وجميعها تقنيات هي التي تشير الى براعة الكاتب في المد أو الاختزال، وهي التي تميز الملحّن عن “الملحّنجي”.
ومن يمتلك اللغة العربية، لغةً وقواعد وطواعية، قادر على استيلادها صيغاً وكلماتٍ يظل يستبدلها حتى تؤاخي اللحن (إن كان موضوعاً مسبقاً) كما يمكن الملحن المتمكّن أن يطوّع لحنه للكلمة من دون تكويعها وتركيعها وبَضْعِها وبتْرها ليضع لحنه المرتاح على حساب تكويع الكلمات. وهذا ما يميّز تجربة هبة القواس في مطالع أوبرالية بدأت بها (لا تزال على مستوى الأغنية كوحدة فنية) وتسعى الى ترسيخها صوب عمل أوبرالي كامل متكامل بالعربية.
بلى: العربية مطواعةٌ لمن يمتلكها، وخصوصاً للأوبرا، إنما تحتاج لتطويعها فرساناً ليسوا إلاّ عند الشعراء.
أما الذين لا يمتلكون العربية كما يجب، شعرياً ولغوياً، فلينْحُوا صوب العامية المحكية حيث لا قواعد ولا تسكين ولا تنوين. وروائع الأوبرا العالمية كانت بالمحكية التي تنقذ النص واللحن معاً.