هنري زغيب
Follow us on Facebook
Follow us on YouTube

170: الخلاّقون غرباء في لبنان

الجمعة 13 تشرين الأول 2000
-170-
الكلمة المؤثرة التي ألقاها (كما باسمنا جميعاً) الدكتور محمد علي موسى في تكريم السفير المؤرّخ الدكتور عادل اسماعيل (خلال الاحتفال الذي أقامه له “ديوان أهل القلم” في قصر الأونيسكو مطلع هذا الأسبوع) أوجعتنا في صمامات قلوبنا حتّى صفقنا لها من كثرة الوجع لا من شدة الإعجاب.
كانت صرخة جميع المثقفين الذين يرون أنفسهم على هامش الوطن فيما الساحة يسرح فيها “بيت بو سياسة” الذين جاء بمعظمهم قدر واسع عال وعريض من الأمية والجهل أو العشائرية والطائفية والوراثية السياسية.
كما باسمنا جميعاً صرخ محمد علي موسى: “أن كرام النفوس غرباء في ديارهم، وغرباء في عالم تطغى فيه قوة الرفس على قوة العقل”. ونادى ضارعاً في لهفة المؤمن: “ردّنا من غربتنا يا ربّ. ردّ لنا أبناء لبنان”، وصرخ في حرقة الموطن النقي: “أنني أبحث عن وطن… عن الذين هم الوطن… عن الذين هم الإبداع… عن الذين هم الحقيقة”.
وخاطب صديقه المحتفى به: “ما قيمة أنك رمز من رموز الثقافة الإنسانية، وعندما تعود إلى قريتك وبلادك يسقطون عنك كل ميزات التباين فلا يرون فيك إلاّ رجلاً يمضي مثلهم على قدمين، عاجزين عن ولوج عالمك بسبب تخلفهم عن اللحاق يركب الحضارة؟ فأي الغربتين أقسى؟ وما قيمة القيم التي تفردت بها، وأنت لا تصلح أن تكون نائباً في بلادك عن منطقتك، عن غقليم الخروب، لأن قيمك جميعها لا تطابق المواصفات المطلوبة في دفتر الشروط؟”.
“دفتر الشروط”… هذه هي. قبض عليها محمد علي موسى. هذه هي القصة كلّها: دفتر الشروط.
بلى: في وطن نريده أن يكون وطن المواهب لا المذاهب، ما زال حتّى إشعار آخر وطن المذاهب وكوتاتها، لا وطن المواهب وعطاءاتها، وما زال وطن الطوائف ومراداتها لا وطن الطرائف وفراداتها، وما زال وطن المحسوبيات الإقطاعية والاستزلامية والاستسلامية والحسابات السياسية والفئوية والمناطقية لا وطن المتفردين وأفكارهم ومخططاتهم وأحلامهم ببناء وطن عصري حديث يكمل رسالته الخالدة في التاريخ وطناً عظيماً صاحب عطاءات للحضارة.
موجعة هذه الصرخة، ومريرة، يطلقها صوت مسؤول من وزن محمد علي موسى، وهو من هو في ميادين التربية والثقافة والأدب والفكر اللبناني العالي. وهي موجعة أكثر لأنها طالعة منه بالذات، هو الخبير في اشتغاله مع أهل الحكم، والقريب من مصادر القرار، ويعرف ماذا يجري في الكواليس، ويوجعه (صامتاً أو صارخاً) هذا الذي يجري.
نقول هذا، ونحن قبيل تشكيل حكومة جديدة يتشدّق أولياء الأمر بأنهم يريدونها “سياسية” كي “تكون على مستوى المرحلة”، يعني بدون تكنوقراط يأتون حاملين حقائبهم وخبراتهم وأفكاراً أكاديمية لا تنفع المرحلة، بل ينفعها “بيت بو سياسة” الذين يجعلون في البلد، قال، توافقاً وطنياً ومصالحة وطنية ويكرسون الوفاق.
مش صحيح. مش صحيح. كل بلواناً من “بيت بو سياسة”، ومع ذلك يبشروننا بأنهم عائدون إلى الحكم، يعني بأن نزداد غربة في وطننا، نحن الذين آمنوا بأن لبنان لا ينهض به إلاّ الخلاقون.