شرفُ العودة إِلى لبنانية لبنان
“نقطة على الحرف”- الحلقة 1597
 “صوت كلّ لبنان” – الأَحد 4 كانون الأَول 2022

وصلَتْني هذا الأُسبوع محاضرة بعنوان “لبنان على مشارف المستقبل” أَلقاها الدكتور شارل مالك في معهد الرسل – جونيه صبيحة الأَحد 19 أَيار 1974، عدَّد فيها تسعة أَخطار تتهدَّد لبنان في المستقبل القريب. من هذه التسعة يهمُّني هنا الخطر الثالث وهو: “تَغَيُّرُ لون الحياة والثقافة في الوجود اللبناني العام، حتى يشعرَ اللبناني أَنه غريب في بلده إِذ تنأَى عنه لبنانيةُ لبنان التي عرفناها وورثناها من الجدود”.

هكذا إِذًا: ذاك اللبناني الكبير الذي شارك في صياغة الإِعلان العالمي لـحقوق الإِنسان وأَعلَنَتْه منظمة الأُمم المتحدة إِبَّان جمعيتها العامة في باريس نهار الجمعة 10 كانون الأَول 1948، كان خائفًا لا على خروج لبنان عن شرعة تلك الحقوق بل على ضياع هوية لبنان اللبناني. ذلك أَنه في تلك المحاضرة قبل نحو نصف قرن (48 سنة)، كان له حدْسٌ رؤْيَويٌّ أَنْ سيأْتي إِلى الحكم في لبنان، رئاسيًّا ونيابيَّا ووزاريًّا، مسؤولون سيحيدون بلبنان عن لبنانيته المتأَصِّلة فيه منذ عصور، فيعطون تلك الهوية طابعًا غيرَ لبناني… أَقول “الهوية اللبنانية” ولا أَقصِدُ “لبنان الوطن”. فهذه راسخةٌ في التاريخ بلا منَّةٍ من أَحد. ومهما حاول الفطريون الدخلاء تشويهَها فلن يقدِروا على تغيير الحقيقة اللبنانية التاريخية. إِنني أَقصِد تغيير هوية الدولة اللبنانية إِلى انزياحاتٍ أُخرى لا تعود متطابقَة مع هوية لبنان اللبناني.

أَتذكَّر هنا رسالةً بعثَ بها جبران إِلى صديقه أَمين الريحاني ذاتَ اثنين مساءً من حزيران 1912، وكان الريحاني في نيويورك يتهيَّأُ للسفر إِلى لبنان. جاء في رسالة جبران: “كنتُ أُريد أَن أَوَدِّعَكَ بقُبْلة قبل أَن تسير بك الباخرة نحو مطلَع الشمس. بل كنتُ أَتمنَّى أَن أُرافقكَ إِلى تلك البلاد التي أُحبُّ صخورَها وأَوديتَها وأَكرهُ كُهَّانها وحكَّامَها (…). أَنت ذاهبٌ غدًا إِلى أَجمل وأَقدس بلاد في هذا العالَم، وأَنا باقٍ في هذا المنفى البعيد. فما أَسعدَكَ وما أَقَلَّ حظي. ولكنِّي، إِذا ذَكَرْتَني أَمام صنين ووادي الفريكة، تُهَوِّن عليَّ عذابَ المنفى، وتخفِّف عني أَلَم المهجر والبُعاد” (من كتاب “الريحاني ومعاصروه” 1965 – تحقيق أَلبرت الريحاني، لمناسبة مرور ربع قرن على وفاة الأَمين). وواضحٌ أَنَّ جبران يقصِد لبنان وطنه الجميل لا دولتَه بحُكَّامها وكُهَّانها.

هنا نحن إِذًا أَمام الولاء والوفاء: الولاء للوطن والوفاء لأَجدادنا بُناةِ هذا الوطن. وطالما الفرنسيُّ يرفض أَن يقول إِنه أُوروبي من فرنسا، والإِيطالي يرفض أَن يقول إِنه أُوروبي قبل أَن يكون إِيطاليًّا، مع أَن كلتَي فرنسا وإِيطاليا في اتحاد الدول الأُوروبية، فلماذا يرضى اللبناني بهوية له قبل هويَّته اللبنانية؟ الهوية اللبنانية إِيمان مطْلَق والتزامٌ كامل. هي ليست بطاقةً نحملُها أَو إِخراج قيد من دائرة النفوس لدى الأَحوال الشخصية. وأَذكر هنا عبارة شهيرة للُّبناني الكبير الدكتور فيليب سالم يردِّدها دومًا: “أَنا لبنانيُّ الهوية أَحمل جوازَ سفَر أَميركيًّا”. ذلك أَنَّ جواز السفر يعطي شرعية السكن لا هويةَ الانتماء. إِذًا: لا يكفي أَن نحمل بطاقةَ هويةٍ لبنانية ونُنكرها وننتَسب إِلى سواها. هذه خيانةٌ للأَصل والتاريخ والكرامة. ومن ينكرُ أَصلَه لا يستحقُّ أَن ينتمي إِلى قُدسية أَرضه وتاريخه ووطنه.

بعض مأْساة لبنان الدولة، أَنَّ لديه في الحكْم وفي بعض صفوف الشعب، مَن يستعيرُ له هوياتٍ أُخرى غيرَ لبنانية. وهذا يُصيب الدولةَ وتياراتِها السياسية فيشوِّهُها ويبقِّعُها بانتماءاتٍ غريبةٍ عنها، ويغيِّر مسارها فتُمسي خادمةً عند السوى، فيما عظمةُ لبنان الوطن أَنه سيِّدٌ سائرٌ في الزمان مَهيبًا يعلو فوق صغائر الاتجاهات السياسية وصغار النفوس وفاقدي الإِيمان.

ومتى عاد اللبنانيون جميعًا مؤْمنين بلبنانية الوطن فيُلَبْنِنُون دولتَه نقيةً من اليوضاسيين والجرثوميين والفطريين الطارئين الدخلاء، نكون حقًّا بدَأْنا نستعيد لبنان، وتاليًا نكون مستحقِّين فعلًا شرفَ أَن نستاهل وطنَنا الخالد.

هـنـري زغـيـب 

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib