الإِرث الأَمني عصَبٌ في تراث لبنان
“نقطة على الحرف”- الحلقة 1576 – “صوت كلّ لبنان” – الأَحد 10 تموز 2022

في العادة، كلَّما تحدثنا عن التراث، يخطر أَنه تراثٌ أَدبي أَو فني أَو تاريخي أَو سياحي أَو ضيعوي أَو أَيُّ مظهر من مظاهر الأعراف والعادات والتقاليد في دساكرنا وقرانا. غير أَنَّ لنا، في تراثنا اللبناني، وَجهًا ساطعًا كذلك كانت له هيبتُه وجرأَتُه وسطوتُه في زمن الدولة الحازمة. إِنه التراث الأَمني.  ولنا فيه إِرث تَواترَ إِلينا من أَعلامه منذ أَمسك لبنان بقراره الحر مع فجر الاستقلال، طالعًا متدرِّجًا من بقايا الانتداب إِلى يومِ ظهرَ في لبنان شهابُ حزْم وحسْم وعزْم بصورة رئيسٍ مؤَسسٍ دولةَ لبنان الحديث: اللواء فؤَاد شهاب.

أَمامي الآن كتاب “الشرطة القضائية في لبنان – حقائق وإِنجازات” للعميد أَنور يحيا، قائدِ الشرطة القضائية بين 2005 و2010 مرورًا بمناصبَ أَمنيةٍ مشرِّفةٍ قبلذاك، سرد خدمتَه إِياها في صفحات كتابه السِتْمِئَة، الصادر حديثًا لدى “الدار العربية للعلوم-ناشرون”، مع مقدمة من الوزير السابق المحامي زياد بارود.

قلت “الرئيس المؤَسس”، وأَقرأُ في مطالع الكتاب عبارةً صدرت بعد خمسة أَيام على تشكيل أَول حكومة في عهد الرئيس فؤَاد شهاب، جاء فيها: “على الشرطي أَن يعي أَنه ليس زلمة أَحدٍ سوى القانون، وأَنّ السلاح الذي يحمله والثيابَ التي يلبَسها والآليات التي يستعملها ليست مجرَّد مظاهرَ ولا في خدمة أَصحاب النفوذ بل هي مظاهرُ القانون الذي يُنَفَّذ على الجميع”.

كان ذلك سنة 1958، وفي لبنانَ رئيسٌ حازمٌ بقوَّة الكتاب -أَي الدستور-، وبسُلطة النظام -أَي القانون-، وبسيف الحق – أَي العدالة-. بتلك القوى قام بالإِصلاحات وغيَّر في مفاهيمَ خانعةٍ باليةٍ، وَفقًا لخبرة الرئيس شهاب في حماية الوطن، تلك الخبرة العنيدة التي جعلتْه لا يخطو شبرًا واحدًا خارج ترابِ لبنان، وقابل أَقوى رئيس عربي يومها جمال عبدالناصر في خيمةٍ جلس ضمن شقِّها اللبناني قبالة ناصر الذي لم يخطُ شيرًا واحدًا في أَرض لبنان بل بقي جالسًا على كرسي في الأَرض السورية أَيام الجمهورية العربية المتحدة.

بلى، كان ذلك حين كان لبنان في حمى الأَمير الذي أَعلى كرامة لبنان على أَيِّ اعتبار سياسي أَو حزبي أَو إِيديولوجي.

ويمضي العميد أَنور يحيا في كتابه الموسوعي الممتاز، يضيْءُ على تراثنا الأَمني العريق وهَيْبَتِهِ في تركيز قُدرات الدولة، وتعريفًا بهذه القُدُرات التي تخلُق في المواطنين روحًا معنويةً عُليا من خلال التراث الأَمني، حين يتولَّاهُ عنيدون بالشمَم، محصَّنون بالقضاء اللبناني الهادر ذي التاريخ العظيم، الذي يجعل أَعلامه لا يخضعون لاستفزاز، ولا يُحنُون رأْسهم خنوعًا أَمام سياسي حقير فاسد، ما يقوِّي أَمل اللبنانيين أَنْ، بلى، يمكن بالقضاء وشرطته القضائية أَن يستعيد لبنان هَيبَة السلطة ومهابةَ الدولة وعزَّةَ الوطن.

بهذه المعنويات النبيلة التي تحفِّزُ كلَّ أَمل بمستقبل لبنان، يمضي العميد أنور يحيا في نسْج كتابه من تاريخ البوليس العدلي ضمن مديرية الشرطة، فالشرطة القضائية ضمن المديرية العامة لقوى الأَمن الداخلي، وصولًا إِلى تجربته قائدًا الشرطة القضائية وما حقَّق في عهده، وقبل رئاسته، من إِجراءات قضائية أمنية يتشرَّف بها قطاع التراث الأَمني في لبنان.

اليوم، والقضاء يمر في مرحلةٍ من بعض الشك في بعض الجسم القضائي بسبب تصرفات معلومة أَو مدعومة، حبَّذا لو يتمثل آخرون بالعميد أَنور يحيا الذي تقاعد من المسؤولية لا من الانتاجية، حتى يكونَ لنا شواهدُ وشهودٌ وشهاداتٌ حية نابضة تُثْبِتُ أَن لبنان مهيَّأٌ لاستعادة مسيرته بسرعة قياسية، لأَن في شعبنا رجالًا تشرَّبوا قِيَمَ النظام، مستعدين أَن يمارسوها حين في الحُكْم مسؤُولون يستاهلون ثقة الشعب، ولا يستهينون بالشعب فيكذبون عليه.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق