هكذا فرنسا تَتَكرَّم بـــ”موليـير”
“أَزرار” – الحلقة 1210 – “النهار” – السبت 15 كانون الثاني 2022

كان ذلك مثل اليوم، تمامًا مثل اليوم قبل 400 سنة: السبت 15 كانون الثاني (سنة 1622) يوم  اقتبل العماد، بِاسم “جان باتيست پوكلان”، طفلٌ سيكون له أَن يَطبع تاريخ فرنسا كــ”أَكثر مؤَلف مسرحي فرنسي تدور أَعماله حتى اليوم في العالم، مسرحًا وترجمات”. ومنها في لبنان، منذ اقتبس رائدُ المسرح العربي مارون النقاش مسرحية “البخيل” وقدَّمها في منزله (شارع الجمَّيزة-بيروت) سنة 1848 وكانت طليعة المسرحيات العربية بعد فجر النهضة. كما تولَّى الشاعر الياس أَبو شبكة ترجمةَ أَربع مسرحيات لموليير: “الطبيب رغمًا عنه”، “مريض الوهم”، “الـمُثْري النبيل”، “البخيل”. صدرَت في سنة واحدة (1932) ويشوب ترجمتَها بعضُ التَسَرُّع، ربما لسرعة إِنجازها بتكليف من “مكتبة صادر” في بيروت. فأَبو شبكة، كما قالت لي زوجتُه “غلواء” في لقائي بها (مقالي في “النهار” – 7 شباط 1975) “كان يترجم بسرعة دون اللجوء إِلى القاموس، كأَنه يكتب مقالًا لا كأَنه يدقِّق في نَصٍّ من لغة إِلى أُخرى. وكان يوسف صادر يستعجله لإِتمام الترجمة وإِصدار الكتُب”. من هنا لاحظ بعضُ الدارسين خلَلًا في الترجمة بل انحرافًا أَحيانًا عن المعنى المولييريّ.

إِذًا فرنسا كلُّها، طيلة 2022، تستذكر مَن على اسمِه سُـمِّـيَت الفرنسية “لُغة موليير”. وها هي أَعلنَت العُرس كي تتكرَّم بــ”سنة موليير” احتفاءً بمئويته الرابعة.

ماذا في هذا العرس؟ طبعاتٌ جديدة لمسرحياته، معظمُها لمؤَلفاته الكاملة في مجلَّدات فخمة وأُخرى شعبية، معارضُ ضخمة في العاصمة والمدُن الكبرى، أَوَّلُها بدءًا من اليوم (15 هذا الشهر حتى 17 نيسان المقبل) معرض “موليير صانعُ مجدٍ وطني” (مبنى ريشو-مدينة ڤرساي) لعرض مجموعات ذات علاقة بموليير (لوحات وتماثيل وملابس وتصاميم مسرحيات وطبعات قديمة وجديدة من مؤَلفاته، وعرض أَفلام وثائقية وروائية بسيناريوات من مسرحياته)، إِلى ندوات ومحاضرات ومؤْتمرات ستَعُمُّ فرنسا طيلة هذا العام، يتولَّاها أَكاديميون واختصاصيون بموليير. وطبعًا سيكون لــ”الكوميدي فرانسيز” أَن تستعيد عددًا من مسرحياته.

أَكثر بعد؟ تقدَّمَت بلدية پاريس هذا الأُسبوع بطلبٍ إِلى الرئيس الفرنسي، عبْر وزيرة الثقافة، لنقْل رفات موليير من ضريحه الحالي (مقبرة “الأَب لاشيز” حدّ رُفات لافونتين) إِلى مقر الخالدين في الپانتيون. والأَرجح أَن يوافق الرئيس على هذا الطلَب.

وهذا الأُسبوع أَيضًا (مساءَ الإِثنين 9 الجاري) قدَّم ستيفان بيرن في برنامجه الشهير “أَسرار التاريخ” حلقة خاصة عن موليير (ساعة و56 دقيقة) عنوانُها “أَسرار موليير” جالَ فيها مع اختصاصيين “مولييريين” على مواضيع مثيرة عن سيرته ومسيرته.

لِـمَ حماستي لهذا الموضوع؟ إِنها فرحتي الموازية، حيال احتفال أُمَّةٍ بمبدع ما زال حتى اليوم خالدًا في ذاكرتها وفي برامج مدارسها وجامعاتها ودُور النشر وصالات المسرح، تأْكيدًا على تَمَسُّكها به عنوانًا لها في العالم لا يزال مُضيئًا نابضًا في كتاباته التي وَسَمَها في حياته القصيرة (تُوُفي في 13 شباط 1673 عن 51 عامًا) عبقريًّا غيرَ عادي استحقَّ، بين قلَّة معاصريه عصرئذٍ، رعايةَ الملك لويس الرابع عشر وحظْوَته الشخصية.

لِـمَ حماستي لهذا الموضوع؟ لأَنه هكذا الأُمم العريقة تحتفي بمبدعيها الخالدين كي تَخْلُدَ هي بهم في الزمان، مناراتٍ تُضيْءُ تاريخها فتَشْرُفُ به وبهم جيلًا بعد جيل، وتُحيل إِلى النسيان القاسي طاقمَ سياسيِّيها مع العُصُور، خصوصًا مَن منهم يتلَهَّون بصغائرهم الآنيَّة الزائلة ويتركون الدولةَ تنهار وشعبَهم ينهار، جاهلين أَنَّ التاريخ سيَجرفُهم بلا رحمة، لأَنه لا يَكتُب ذاكرتَه إِلَّا بالمبدعين الذين يُشرِّفون وطنهم طويلًا بعدَهم وبعيدًا… إِلى آفاق الخلود.

هـنـري زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق